الشيخ محمد رشيد رضا
442
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في زمن طويل يناسب زمن الدنس مع ترك أسباب الدنس ، وأما الترك وحده فلا يكفى كما إذا وردت الأقذار والأدناس الحسية على ثوب زمنا طويلا فإنه لا ينظف بمجرد انقطاعها عنه . على أن المعاصي إذا تكررت تصير عادات تملك على النفس أمرها حتى تصير التوبة بمجرد الترك من أعسر الأمور وأشقها لأنها تكون عبارة عن اقتلاع الملكات التي تكيف بها المجموع العصبى ، فما أخسر صفقة المسوفين ؛ الذين يغترون بكلام أسرى العبارات من المفسرين وغير المفسرين ! الأستاذ الامام : ذكر في الآية السابقة التوبة وبين في هذه الآية حكمها وحالها ترغيبا فيها وتنفيرا عن المعصية بما شدد في شرط قبولها ، وفيه إرشاد لأولياء الامر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم وتأديبهم ، فإنه فرض في الآية السابقة معاقبة أهل الفواحش وأمر بالاعراض عمن تاب بشرط إصلاح العمل . وكأن هذه الآية شرح لذلك الاصلاح ، أي إن تابوا مثل هذه التوبة فأعرضوا عنهم وكفوا عن عقابهم ويذكرون ههنا مسألة الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة في وجوب الصلاح عليه تعالى . والقول الفصل في ذلك : أن قبول هذه التوبة على اللّه تعالى ليس بايجاب موجب له سلطة يوجب بها على اللّه ، تعالى اللّه عن ذلك ! وإنما ذلك من جملة الكمال الذي أوجبه تعالى على نفسه بمشيئته واختياره ، وهذه العبارة وأمثالها مما ظاهره وجوب بعض الأشياء على اللّه قد جاءت على طريق العرب في التخاطب ، ولا يفهم منها الا أن ذلك واقع ماله من دافع ، ولكن بايجاب اللّه تعالى له ، ولا يمكن أن يظن عاقل أن قانونا يحكم على الألوهية . فجعل الخلاف في هذه المسألة لفظيا ظاهر لا تكلف فيه - و « السوء » هو العمل القبيح ، و « الجهالة » تصدق بمعنى السفاهة وبمعنى الجهل الذي هو ضد العلم فالسفاهة إنما سميت سفاهة لأن صاحبها يجهل عاقبتها الرديئة أو يجهل مصلحة نفسه . وقال بعضهم : المراد بالجهالة هنا العصيان والمخالفة . وعبر عن ذلك بالجهالة لبيان قبحه ولتضمنه للجهالة وتنزيل العاصي منزلة الجاهل بمصلحة نفسه . وقال بعضهم : إن المراد بها عدم العلم التام بمقدار ما يترتب على عمل السوء من العقاب لا تعمد العصيان وذلك أن ناقص العلم بحقيقة الذنوب ووجه ترتب العقاب عليها ودرجة ذلك العقاب وتحتمه يقع في الذنب