الشيخ محمد رشيد رضا

436

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا يخضن مع أربابها ، وأن تحفظ لهن رقة أفئدتهم فلا يكن سببا للعقاب . واشترطوا في الشهداء أيضا أن يكونوا أحرارا ( فَإِنْ شَهِدُوا ) عليهن باتيانها ( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ) أي فاحبسوهن في بيوتهن وامنعوهن الخروج منها عقابا لهن وحيلولة بينهن وبين الفاحشة ، وفي هذا دليل على تحريم امساكهن في البيوت ومنعهن الخروج عند الحاجة اليه في غير هذه الحالة لمجرد الغيرة أو محض التحكم من الرجال واتباعهم لأهوائهم في ذلك كما يفعله بعضهم ( حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ) التوفى القبض والاستيفاء أي حتى تقبض أرواحهن بالموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا أي طريقا للخروج منها . فسر الجمهور السبيل بما يشرعه اللّه تعالى بعد نزول هذه الآية من حد الزنا لأنه هو المراد بالفاحشة هنا عندهم فجعلوا الامساك في البيوت عقابا مؤقتا مقرونا بما يدل على التوقيت ورووا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال بعد ذلك « قد جعل اللّه لهن سبيلا : الثيب جلد مئة ورجم بالحجارة ، والبكر جلد مئة ثم نفى سنة » أخرجه ابن جرير وقال بعضهم الحديث مبين للسبيل لا ناسخ والذين يجيزون نسخ القرآن بالأحاديث جعلوا هذا الحديث ناسخا للامساك في البيوت وقال الآخرون بل الناسخ له آية النور ( 24 : 2 الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) وقال الزمخشري من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة ويوصى بامساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال ، ويكون السبيل - على هذا - النكاح المغنى عن السفاح . وقوله هذا أو تجويزه مبنى على كون آية الحد سابقة لهذه الآية وليس في القرآن دليل يمنع من ذلك . وأما قول الجمهور المبنى على كون هذه الآية نزلت أولا فهو مؤيد بروايات عن مفسري السلف فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال : كانت المرأة أول الاسلام إذا شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا حبست في السجن فإن كان لها زوج أخذ المهر منها ولكنه ينفق عليها من غير طلاق وليس عليها حد ولا يجامعها . وروى ابن جرير عن السدى : كانت المرأة في بدء الاسلام إذا زنت حبست