الشيخ محمد رشيد رضا

410

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صدقها وكذبها لا بكونه خبر واحد . وكون التخصيص يلزم منه ترك القطعي بالظنى مردود بأن التخصيص وقع في الدلالة لأنه دفع للدلالة في بعض الموارد فلم يلزم ترك القطعي بالظنى بل هو ترك للظنى بالظنى وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب الخبر في غاية الوهن لأن الوراثة فيهما وراثة العلم والنبوة والكمالات النفسانية لا وراثة العروض والأموال ومما يدل على أن الوراثة في الآية الأولى منهما كذلك ما رواه الكليني عن أبي عبد اللّه أن سليمان ورث داود وأن محمدا ورث سليمان فان وراثة المال بين نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وسليمان عليه السّلام غير متصورة بوجه . وأيضا إن داود عليه السّلام على ما ذكره أهل التاريخ كان له تسعة عشر ابنا وكلهم كانوا ورثة بالمعنى الذي يزعمه الخصم . فلا معنى لتخصيص بعضهم بالذكر دون بعض في وراثة المال لاشتراكهم فيها من غير خصوصية لسليمان عليه السّلام بها بخلاف وراثة العلم والنبوة . وأيضا توصيف سليمان عليه السّلام بتلك الوراثة مما لا يوجب كمالا ولا يستدعى امتيازا لان البر والفاجر يرت أباه ، فأي داع لذكر هذه الوراثة العامة في بيان فضائل هذا النبي ومناقبه عليه السّلام ! ؟ « ومما يدل على أن الوراثة في الآية الثانية كذلك أيضا أنه لو كان المراد بالوراثة فيها وراثة المال كان الكلام أشبه شئ بالسفسطة لان المراد بآل يعقوب حينئذان كان نفسه الشريفة يلزم أن مال يعقوب عليه السّلام كان باقيا غير مقسوم إلى عهد زكريا وبينهما نحو من ألفي سنة وهو كما ترى ! ! وإن كان المراد جميع أولاده يلزم أن يكون يحيى وارثا جميع بني إسرائيل أحياء وأمواتا ، وهذا أفحش من الأول ، وان كان المراد بعض الأولاد أو أريد من يعقوب عير المتبادر وهو ابن إسحاق عليهما السّلام يقال أي فائدة في وصف هذا الولي عند طلبه من اللّه تعالى بأنه يرث أباه ويرث بعض ذوى قرابته ؟ والابن وارث الأب ومن يقرب منه في جميع الشرائع مع أن هذه الوراثة تفهم من لفظ الولي بلا تكلف ، وليس المقام مقام تأكيد وأيضا ليس في الانظار العالية وهمم النفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم الفاني واتصلت بحظائر القدس الحقاني ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة حتى يسأل