الشيخ محمد رشيد رضا
359
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهما لم يطلبا ولم يحمدا فيه وإنما أجيزا لأنهما من ضرورات الاجتماع كما بينا ذلك غير مرة وقد ظهر لهم تأويل ذلك في الطلاق فشرعوه وإن لم يشرعه لهم كتابهمالانجيل ) إلا لعلة الزنا ، واما تعدد الزوجات فقد تعرض الضرورة له فيكون من مصلحة النساء أنفسهن كأن تغتال الحرب كثيرا من الرجال فيكثر من لا كافل له من النساء فيكون الخير لهن أن يكن ضرائر ولا يكن فواجر يأكلن بأعراضهن ويعرضن أنفسهن بذلك لمصائب ترزحهن أثقالها . وقد أنشأ القوم يعرفون وجه الحاجة بل الضرورة إلى هذا كما عرفوا وجه ذلك في مسألة الطلاق وقام غير واحدة من نساء الانكليز الكاتبات الفاضلات ، يطالبن في الجرائد بإباحة تعدد الزوجات ، رحمة بالعاملات الفقيرات ، وبالبغايا المضطرات ، وقد سبق لنا في المنار ترجمة بعض ما كتبت إحداهن في جريدةلندن ثروت ) مستحسنة رأى العالمتومس ) في أنه لا علاج لتقليل البنات الشاردات ، إلا تعدد الزوجات ، وما كتبت الفاضلة « مس انى رود » في جريدةالاسترن ميل ) والكاتبة « اللادى كوك » في جريدةلا يكو ) في ذلكراجع ص 481 م 4 ) ان قاعدة اليسر في الأمور ورفع الحرج من القواعد الأساسية لبناء الاسلام ( 2 : 185 يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ - و - 5 : 6 ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) ولا يصح أن يبنى على هذه القاعدة تحريم أمر تلجىء اليه الضرورة أو تدعو اليه المصلحة العامة أو الخاصةكما بينا ذلك في مقالات الحياة الزوجية وغيرها ) وهو مما يشق امتثاله دفعة واحدة لا سيما على من اعتادوا المبالغة فيه كتعدد الزوجات كذلك لا يصح السكوت عنه وترك الناس وشأنهم فيه على ما فيه من المفاسد فلم يبق إلا أن يقلل العدد ويقيد بقيد ثميل وهو اشتراط انتفاء الخوف من عدم العدل بين الزوجات وهو شرط يعز تحققه ومن فقهه واختبر حال الذين يتزوجون بأكثر من واحدة يتجلى له أن أكثرهم لم يلتزم الشرط ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي وجملة القول في هذه المسألة أن القرآن أتى فيها بالكمال الذي لا بد أن يعترف به جماهير الاوربيين ولو بعد حين كما يعترف به بعض فضلائهم وفضلياتهم