الشيخ محمد رشيد رضا
32
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا ينفر الناس أو لا يحملهم على ايذائه . فان اللّه يقول : انه لا نجاة للناس الا بالتواصى بالحق والتواصى بالصبر . ولم يشترط في ذلك شرطا ، أي فيجب أن نأخذ النصوص على اطلاقها وأن نقوم بها بقدر الاستطاعة أو الطاقة ، ونتقى مع ذلك ما يحف بها من المهالك أقول : وقد جرت سنة الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وان كان محفوفا بالمكاره والمخاوف . وكم قتل في سبيل ذلك منهم من نبي وصديق ، فكانوا أفضل الشهداء . وفي حديث جابر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ثم رجل قام إلى امام فأمره ونهاه في ذات اللّه تعالى فقتله على ذلك » رواه الحاكم وقال : صحيح الاسناد ، وتعقبه الذهبي بأن في سنده حفيدا العطار لا يدرى من هو . ورواه الديلمي والضياء المقدسي . وروى الطبراني نحوه عن ابن عباس بسند ضعيف ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر » رواه ابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري وأحمد وابن ماجة والطبراني والبيهقي في شعب الايمان عن أبي أمامة واحمد والنسائي والبيهقي في الشعب أيضا عن طارق بن شهاب . ذكر ذلك في الجامع الصغير ، ووضع بجانبه علامة الصحيح . أقول : ورواه أبو داود في سننه عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ « أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر » وقد ورد من تصدى علماء السلف لنصيحة الملوك والامراء الظالمين وإيذاء هؤلاء لهم وسفكهم دماء بعضهم ما يرد شرط أولئك المشترطين للأمن عليهم ويضرب به وجوههم « 1 » ولا ينافي هذا كون التوقي من الهلكة واجبا لذاته في هذه الحالة ، كما يجب في حال الجهاد بالسيف ، فلا نترك الدعوة إلى الخير ولا الجهاد دونه خوفا على أنفسنا حرصا على الحياة الدنيا ، ولا نفرط بأنفسنا في أثناء دعوتنا وجهادنا فيما لا تتوقف الدعوة ولا حمايتها عليه . وقد يكون أكثر ما يصيب الداعي إلى الخير من الأذى ناشئا عن طريقة الدعوة
--> ( 1 ) أوردنا طائفة من ذلك في المجلد التاسع من المنار فليرجع اليه من شاء .