الشيخ محمد رشيد رضا

336

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) وكما يسئل بوعده لأن وعده يقتضى إنجاز ما وعده ومنه قول المؤمنين ( رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ) وقوله ( إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي ) ويشبه هذا مناشدة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر حيث يقول « اللهم أنجز لي ما وعدتني » وكذلك ما في التوراة أن اللّه تعالى غضب على بني إسرائيل فجعل موسى يسال ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم . ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين آووا إلى غار فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه للّه لأن ذلك العمل مما يحبه اللّه ويرضاه محبة تقتضى إجابة صاحبه : هذا سأل ببره لوالديه وهذا سأل بعفته التامة وهذا سأل بامانته واحسانه وكذلك كان ابن مسعود يقول وقت السحر « اللهم أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك وهذا سحر فاغفر لي » ومنه حديث ابن عمر انه كان يقول على الصفا : اللهم انك قلت وقولك الحق ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وانك لا تخلف الميعاد . ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر أنه كان يقوله على الصفا « فقد تبين أن قول القائل : أسألك بكذا نوعان فان الباء قد تكون للقسم وقد تكون للسبب فقد تكون قسما به على اللّه وقد تكون سؤالا بسببه * فأما الأول فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق . وأما الثاني فهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق لأنبياء فهذا فيه نزاع وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز ذلك فنقول : قول السائل للّه تعالى أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم أو بجاه فلان أو بحرمة فلان يقتضى أن هؤلاء لهم عند اللّه جاه وهذا صحيح فان هؤلاء لهم عند اللّه منزلة وجاه وحرمة يقتضى أن يرفع اللّه درجاتهم ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا مع أنه سبحانه قال ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) ويقتضى أيضا أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم فيه كان سعيدا ومن أطاع أمرهم الذي بلغوه عن اللّه كان سعيدا ولكن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم مما بقتضى إجابة دعائه إذا سأل اللّه بهم حتى يسأل اللّه بذلك ، بل جاههم ينفعه إذا اتبعهم