الشيخ محمد رشيد رضا

30

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن أبي هريرة بزيادة « والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه » قال الأستاذ الامام : إن ما نحن فيه الآن من سوء الحال أثر تفريط كبير تمادى في زمن طويل بعد ما عظم التساهل في ترك التناصح ، وبطل رد ما يتنازع فيه المسلمون إلى اللّه ورسوله أي إلى كتاب اللّه وسنة رسوله ، وخوت القلوب من احترام الدين حتى لم يعد له سلطان على الإرادة ، بل صار كل شخص أسير هواه ومتى أمسى الناس هكذا - لا دين ولا مروءة ولا أدب - فأي فرق بين الطائفة منهم والقطيع من المعز أو البقر ؟ عند هذا سأل سائل عن قوله تعالى ( 5 : 105 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فأجاب : إن هذا بعد القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، أي إن الانسان لا يضره ضلال غيره إذا هو أمره ونهاه . فإنه لا يكون مهتديا مع تركه لهذه الفريضة . ثم قال : من العجب أن بعض الناس اشترطوا لهذه الفريضة شرطا لم يأذن به اللّه ولم ينزله في كتابه ، وهو أنه لا يأمر وينهى إلا من كان مؤتمرا ومنتهيا : فالمختار عنده ما حققه الامام الغزالي من عدم اشتراط ذلك ، على أن الامامين يقولان بوجوب كون الواعظ المتصدى للارشاد والدعوة العامة مهتديا عاملا بعلمه متصفا بما يدعو إليه . وقد قال الأستاذ الامام : بمنع أولئك الجاهلين الفاسقين الذين ينصبون أنفسهم للوعظ والارشاد من تسلق هذه الدرجة ، وليس ذلك لأنه يشترط في فرضية الأمر والنهى الائتمار والانتهاء ، بل لأن المرشد العام محل لقدوة العوام ، فإذا كان ضالا يكون كالخمر والميسر إثمه أكبر من نفعه ، فهو يمنع منها لدرء المفسدة ، ولا يمنع من كل أمر ونهى . فحاصل رأيه : أن يمنع من منصب الارشاد الذي قال : انه خاص بالعارفين بأسرار الشريعة وفقهاء النفوس فيها . ومن كان كذلك لا يكون إلا عاملا بعلمه مهتديا بما يهدى إليه ، لأن العلم الصحيح يوجب العمل ، كما قررناه مرارا وقلنا إنه رأيه ورأى الغزالي ، ولا يمنعه من كل نصيحة وأىّ أمر ونهى بل يأمره بذلك وان