الشيخ محمد رشيد رضا
315
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الجنان . وهذا الذي قلناه أولى من القول بأن ما عند اللّه للأبرار هو عين ذلك النزل الذي قال إنه من عنده لان نكتة وضع المظهر وهو قوله تعالى « وَما عِنْدَ اللَّهِ » موضع المضمر الذي كان ينبغي أن يعبر به لو كان هذا عين ذاك تظهر على هذا ظهورا لا تكلف فيه . وبه ينجلى الفرق بين الذين اتقوا وبين الأبرار فان الأبرار جمع بار أو بر وهو المتصف بالبر الذي بينه اللّه تعالى في سورة البقرة بقوله ( 2 : 175 وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الخ وقد أشرنا اليه في آيات الدعاء القريبة راجعه ثانية في ص 119 ج 2 تفسير ) فشرح البر بما ذكر في تلك الآية يؤيد ما ذكره الراغب من أنه مشتق من البربالفتح ) المقابل للبحر وانه يفيد التوسع في فعل الخير فهو إذا أدل على الكمال من التقوى التي هي عبارة عن ترك أسباب السخط والعقوبة وتحصل بترك المحرمات وفعل الفرائض من غير توسع في نوافل الخيرات وذكر جزاء المؤمنين بقسميهم - الذين اتقوا والأبرار - بلفظ الاستدراك للتنصيص على ما ذكرنا من المقابلة بينهم وبين الذين كفروا كما قلنا ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا ) ان من يفسر الذين كفروا في الآية السابقة بأهل الكتاب بجعل هذه الآية استدراكا أو استثناء من عمومها ، اى ذلك جزاء من استكبرتم ما يتمتعون به من أصرّ منهم على كفره وان منهم لمن يؤمن باللّه الخ ويصح هذا أيضا على الوجه الذي اخترناه وهو عموم الذين كفروا . وقد جاء بمعنى هذه الآية عدة آيات . وقد روى النسائي من حديث أنس قال لما جاء نعى النجاشي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « صلوا عليه » قالوا يا رسول اللّه نصلى على عبد حبشي ؟ فأنزل اللّه هذه الآية . وروى ابن جرير نحوه عن جابر وفي المستدرك عن عبد اللّه بن الزبير قال نزلت في النجاشي « وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ » اه من لباب النقول . ونقول إنها تشمل النجاشي وغيره من اليهود والنصارى الذين صدق عليهم ما فيها من الصفات وكذا المجوس على القول بأنهم أهل كتاب كما روى عن علي رضى اللّه عنه ولكن لا نعرف أحدا منهم اسلم في عهد التنزيل الا سلمان الفارسي رضى اللّه عنه على