الشيخ محمد رشيد رضا
304
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ادعاء أن ما ورد من ذكر الحسنات والسيئات في مقام الجزاء في الدارين وكذا في الآخرة فقط يحمل على هذا . ومتله ما ورد من السيئات في مقابلة العمل الصالح على الاطلاق ولكن ذلك خلاف الظاهر المتبادر ( رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ) أي أعطنا ما وعدتنا من الجزاء الحسن كالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة - وخصه بعضهم بالدنيا وبعضهم بالآخرة - جزاء على تصديق رسلك واتباعهم ، إذ استجبنا لهم وآمنا بما جاءوا به ، أو ما وعدتنا به منزلا على رسلك ، أو ما وعدتنا به على ألسنة رسلك والمعنى أعطنا ذلك بتوفيقنا للثبات على ما نستحقه إلى أن تتوفانا مع الأبرار ، وهذه الغاية بالنسبة إلى جزاء الآخرة وفيه هضم لنفوسهم واستشعار تقصيرها وعدم الثقة بثباتها الا بتوفيقه وعنايته عز وجل . وقيل إن الدعاء لاظهار العبودية فقط . وقال الأستاذ الامام : على رسلك معناه لأجل رسلك أي لأجل اتباعهم والايمان بهم . فجعل الكاف للتعليل ولا أذكر هذا لغيره هنا . ثم ذكر ما قيل من استشكال هذا السؤال منهم مع إيمانهم بأن اللّه لا يخلف الميعاد ، واختار في الجواب عنه : أن هؤلاء قوم هداهم النظر والفكر إلى معرفة اللّه تعالى واستشعار عظمته وسلطانه وإلى ضعف أنفسهم عن القيام بما يجب من شكره والقيام بحقوقه وحقوق خلقه ، فطلبوا المغفرة والتكفير والعناية الإلهية التي تبلغهم ما وعد اللّه من استجابوا للرسل ونصروهم وأحسنوا اتباعهم ؛ وهو ما أشرنا اليه آنفا ولذلك قالوا ( وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ) أي لا تفضحنا وتهتك سترنا يوم القيامة بادخالنا النار التي يخزى من دخلها كما تقدم في الآية التي قبل ما قبل هذه ونقل الرازي عن حكماء الاسلام أن المراد بالخزى هنا العذاب الروحاني لأنهم طلبوا الوقاية من النار من قبل وهو العذاب الجسماني واستنبط من الابتداء بطلب النجاة من العذاب الجسماني ، وجعل طلب النجاة من العذاب الروحاني آخرا وختاما أن العذاب الروحاني أشد ويعنون بالعذاب الروحاني الحرمان من الرضوان الأكبر بكمال العرفان الإلهي الذي ذكره اللّه تعالى في قوله ( 9 : 72 وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ولكن طلب النجاة من