الشيخ محمد رشيد رضا

268

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أخبارا من خرافاتهم أو مخترعاتهم ليودعوها كتبهم ويمزجوها بدينهم ، ولذلك نجد في كتب قومنا من الإسرائيليات الخرافية ما لا أصل له في العهد القديم ولا يزال يوجد فينا من يقدس كل ما روى عن أوائلنا في التفسير وغيره ويرفعه عن النقد والتمحيص ولا يتم تمحيص ذلك الا لمن اطلع على كتب بني إسرائيل أما الأستاذ الامام فقد ذكر ما قاله المفسرون في القربان ، ثم قال : ويجوز وهو الأظهر أن يكون معنى « حتى يأتينا بقربان تأكله النار » أن يفرض علينا تقريب قربان يحرق بالنار . فقد كان من أحكام الشريعة عندهم أن يحرقوا بعض القربان وقد أمر اللّه تعالى نبيه أن يرد عليهم فقال قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زعمكم انكم لا تؤمنون بي لانى لم آمر باحراق القرابين أي إنكم لم ترضوا بعصيان أولئك الرسل فقط بل قسوتم عليهم وقتلتموهم قال الأستاذ لامام : لا ريب أن هذا لم يقع منكم الا لأنكم شعب غليظ الرقبة بذا وصفوا في التوراة التي في أيديهم ) وأنكم قساة غلف القلوب لا تفقهون الحق ولا تذعنون له . وهذا مبنى على ما قلناه من اعتبار الأمة باتفاق اخلاقها وصفاتها وعاداتها العامة كالشخص الواحد ؛ وكان هذا المعنى معروفا عند العرب فإنهم يلصقون جريمة الشخص بقبيلته ويؤاخذونها به ولو بعد موته . ويدلنا هذا على أن الجنايات والجرائم مرتبطة في حكم اللّه تعالى بمناشئها ومنابعها فمن لم يرتكب الجريمة لأن آلاتها وأسبابها غير حاضرة لديه لا يكون بريئا من الجريمة إذا كان منشأها والباعث عليها مستقرا في نفسه ، وهذا المنشأ هو التهاون بأمر الشريعة وعدم المبالاة بأمر الحق والتحري فيه فَإِنْ كَذَّبُوكَ بعد أن جئتهم بالبينات الناصعة ، والزبر الصادعة ، والكتاب الذي ينير السبيل ، ويقيم الدليل ، فلا تأس عليهم ، ولا تحزن لكفرهم ، ولا تعجب من فساد أمرهم ، فان هذه سنة اللّه في العباد ، وشنشنة من سبق من هؤلاء من آباء وأجداد ، ( فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ) فأقاموا على أقوامهم الحجة ببيناتهم ، وهزوا قلوبهم بزبر عظاتهم ، وأناروا بالكتاب سبيل نجاتهم ، فما أغنى ذلك عنهم من شئ لما انصرفت قلوبهم عن طلب الحق