الشيخ محمد رشيد رضا
22
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التي بها قاسم الأنصار المهاجرين أموالهم وديارهم وبها كانوا يؤثرون بعضهم بعضا بالشئ على نفسه ، وهو في خصاصة وحاجة شديدة إلى ذلك الشئ بعد ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة والبغضاء وتسافك الدماء ما هو معروف في جملته للجماهير وفي تفاصيله الغريبة للمطلعين على أخبارهم المروية والمدونة . ومنها أن الحروب تطاولت بين الأوس والخزرج مئة وعشرين سنة حتى أطفأها الاسلام ، وألف اللّه بين قلوبهم برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهذا بعض ما أفادهم الاسلام في حيانهم الدنيا ، وقد أنقذهم فيما يستقبلون من أمر الآخرة مما هو شر ، وأدهى وأمر ، وذلك قوله عز وجل : ( وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) أي كنتم كذلك ، بوثنيتكم وشرككم باللّه تعالى وما يتبعه من الخرافات والمفاسد فهي التي أطفأت نور الفطرة وهبطت بالأرواح إلى درك سافل حتى كانت كأنها على طرف حفرة يوشك أن تنهار بها في النار . فشفا الحفرة أو البئر طرفها ، ويضرب به المثل في القرب من الهلاك ، قال الراغب : ومنه أشفى على الهلاك ، أي حصل على شفاه . وليس بين المشرك وبين الهلاك في النار إلا الموت ، والموت أقرب غائب ينتظر . فما أعظم منة اللّه تعالى على المؤمنين الصادقين ، لا سيما الأولين الذين خوطبوا بهذه الآية ، أولا : أن أخرجهم بالاسلام من الشرك ومخازيه وشقائه ، وألف بينهم حتى صاروا بهذه الألفة أسعد الناس ، ثم صاروا سادات الأرض ، وأنقذهم بذلك من النار . فكانوا به سعداء الدارين والفائزين بالحسنيين . أفليس أول واجب من شكر هذه التعمة التي لا تفضلها نعمة أن يعرضوا عن وساوس ودسائس أولئك المغرورين بسلفهم من الأنبياء وهم ليسوا على شئ من هدايتهم ؟ بلى ، فقد وضح الحق وبطل الإفك . قال الأستاذ الامام : انظر آية اللّه ، قوم متخالفون بين العداوات والإحن بتربص كل واحد بالآخر الهلكة على يده ، فيأتي اللّه بهذه الهداية فيجمعهم ويزيل كل ما في نفوسهم من التنافر ويجعلهم إخوانا ترجع أهواؤهم كلها إلى شئ واحد