الشيخ محمد رشيد رضا
214
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهذا أثره ، وما كان صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر الا أعلى ايمانا وتوكلا لأنه كان يزداد كل يوم إيمانا وعلما بربه وبسننه في خلقه كما كان يدعوه بأمره ( 20 : 114 وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) وإنما ظهر صلّى اللّه عليه وسلّم في كل حال بما يليق بها : ففي يوم الهجرة كان خارجا من قوم بالغوا في ايذائه وليس له من الأسباب ما يكفى لمقاومتهم ومدافعتهم والعرب كلها إلب واحد مع قومه عليه فكان المقام مقام التوكل الكامل لأنه مقام العجز عن الأسباب بالمرة ولذلك كان صلّى اللّه عليه وسلّم وادعا ساكنا وكان الصديق على رجائه وتوكله مضطربا ؛ وفي يوم بدر كان قادرا على اتخاذ الأسباب لمقاومة أولئك القوم الذين زحفوا عليه من مكة فكان التوكل فيه لا يصح إلا بعد اتخاذ كل ما يمكن من الأسباب ولذلك لم يلجأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الدعاء ومناشدة ربه المعونة والنصر الا بعد أن فعل كل ما أمكن من الأسباب مع المشاورة واتباع رأى أهل الخبرة ولعله كان يظن أنه يجوز أن يكون بعض أصحابه مقصرا فيما يجب من الأسباب فيفوت النصر لذلك فلجأ إلى الدعاء . ويؤيد هذا أنهم لما قصروا في الأسباب يوم أحد حل بهم وبه صلّى اللّه عليه وسلّم ما هو معلوم وقد ذكر مفصلا في تفسير آيات هذا السياق . والصديق رضى اللّه عنه لم يصل علمه إلى ما وصل إليه علم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك ( 161 : 155 ) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ 162 : 156 ) أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 163 : 157 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ 164 : 158 ) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ *