الشيخ محمد رشيد رضا

211

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولده صالح أنه سأله عن التوكل . فقال : التوكل حسن ولكن ينبغي للرجل أن لا يكون عيالا على الناس ، ينبغي أن يعمل حتى يغنى أهله وعياله ولا يترك العمل . قال : وسئل أبى وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ، ويقولون نحن متوكلون ، فقال : هؤلاء مبتدعة . قال الخلال راوي ما ذكر : وأخبرني المروزي أنه قال لأبى عبد اللّه : إن ابن عيينة كان يقول : هم مبتدعة ، فقال أبو عبد اللّه : هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا . وروى عنه غير ذلك ، ولا سيما في الحث على الكسب وعدم توقع الصلة والنوال . وقال أبو حفص عمر بن مسلم الحداد شيخ الجنيد في التصوف : أخفيت التوكل عشرين سنة وما فارقت السوق ، كنت أكتسب في كل يوم دينارا ولا أبيت منه دانقا ، ولا أستريح منه إلى قيراط أدخل به الحمام . وقال الغزالي : الخروج عن سنة اللّه ليس شرطا في التوكل . وأحفظ هذه العبارة عنه أو عن غيره بلفظ « ليس من التوكل الخروج عن سنة اللّه تعالى أصلا » وهذه أحسن وأصح . وقال في بيان عمال المتوكلين عند الكلام عن الأسباب المقطوع بها « وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير اللّه ومشيئته ارتباطا مطردا لا يختلف كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنك لست تمد اليد اليه وتقول أنا متوكل وشرط التوكل ترك السعي ، ومد اليد اليه سعى وحركة ، وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه باطباق أعالي الحنك على أسافله . فهذا جنون محض وليس من التوكل في شئ - ثم قال - وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في ان يخلق اللّه تعالى نباتا من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع كما ولدت مريم عليها السّلام فكل ذلك جنون ، وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه » ثم ذكر ان الأسباب التي لا تعد قطعية مطردة كالتزود للسفر لا يشترط تركها في التوكل ولكنه يجوز ويعد من أعلى التوكل . وكلامه في هذا الباب وأمثاله كالزهد والفقر لا يسلم من نقد وخطا لمبالغته في الميل إلى الانقطاع عن الدنيا والاقبال على الآخرة و « لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه » وقد تقدم ذكر انكار القرآن على من أرادوا ان يحجوا من غير زاد . وسنوفى هذا المقام حقه في تفسير « لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ » * ولغلبة هذا الميل على أبى حامدرح ) راج عنده كثير من الأخبار والآثار