الشيخ محمد رشيد رضا
202
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أحاز ذلك لنا تواضعا منه وتهذيبا لنا حتى لا يصعب علينا الرجوع عن آرائنا ، ورأيه هو الرأي الاعلى في كل حال . وقريب مما نحن فيه تقديم الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى العمل بالحديث الضعيف والمرسل على القياس وتعليله بما علله به ومنها : أنه لو وضع تلك القواعد من عند نفسه عليه الصلاة والسّلام لكان غير عامل بالشورى وذلك محال في حقه لأنه معصوم من مخالفة أمر اللّه ؛ ولو وضعها بمشاورة من معه من المسلمين لقرر فيها رأى الأكثرين منهم كما فعل في الخروج إلى أحد ، وقد تقدم أن رأى الأكثرين كان خطأ ومخالفا لرأيه صلّى اللّه عليه وسلّم فهل يرضى صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكم أمثال أولئك القوم ومن دونهم ، كأكثر من دخل في الاسلام بعد الفتح في أصول الحكومة الاسلامية وقواعدها ؟ أليس تركها للأمة تقرر في كل زمان ما يؤهلها له استعدادها هو الأحكم ؟ بلى ، وقد تبين كنه ذلك الاستعداد بعد ذلك وأنه كان غير كاف لوضع قانون كافل لقيام المصلحة ولذلك بادر عمر إلى مبايعة أبى بكررضى اللّه عنهما ) خوف الخلاف المهلك للأمة وصرح بعد ذلك بأن بيعة أبى بكر كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرها لا يجوز العود إلى مثلها ، وكذلك استشار أبو بكر كبراء الصحابة في العهد إلى عمر فلما علم رضاهم عهد اليه حتى لا يكون للتفرق والخلاف مجال كما يأتي قريبا . ولو كان الصديق رضى اللّه عنه يعتقد أن الأمة مستعدة لإقامة الشورى على وجهها مع الأمن من التفرق والخلاف لترك لها الأمر ولم يحاول جمع كلمة أولي الأمر منها في حياته على من يراه هو الأصلح حتى يموت آمنا عليها من تفرق الكلمة يقول قوم : إن بيعة عمر كانت بالعهد لا بالشورى التي هي الأساس للحكومة الاسلامية بنص الكتاب العزيز ، وهذا العهد رأى صحابي لا يصح أن يكون ناسخا للقرآن ولا مخصصا ولا مقيدا له فكيف عمل به جمهور الصحابة واتخذه الفقهاء قاعدة شرعية ؟ إذا أورد هذا السؤال شيعي أو غير شيعي من الباحثين المستقلين على أحد المشتغلين بالفقه يجيبه بناء على قواعده : أنه رأى قبله الصحابة وأجمعوا عليه والاجماع حجة مستقلة يجب العمل بها . ونحن نعلم أن الشيعة والمستقلين بالعلم من غيرهم لا يقنعهم هذا الجواب فهم ينازعون في حصول هذا الاجماع وفي جواز مثله