الشيخ محمد رشيد رضا

194

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أي غزاة - وهو جمع لغاز من الجموع النادرة ومثله عفّى جمع عاف - سواء كان غزوهم في وطنهم أو بلاد أخرى فقتلوا : لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا . أي ما مات أولئك المسافرون ، وما قتل أولئك الغازون ، وقرن هذا القول بالكفر مشعر بأن مثله لا ينبغي أن يصدر عن مؤمن لأنه انما يصدر من الكافرين وبيان ذلك من وجهين أحدهما ) أن هذا القول مخالف للمعقول مصادم للوجود فان من مات أو قتل فقد انتهى أمره وصار قول‌لو كان كذا ) عبثا لأن الواقع لا يرتفع ، والحسرة على الفائت لا تفيد ، ومن شأن المؤمن أن يكون صحيح العقل سليم الفطرة ولذلك جعل سبحانه الخطاب في كتابه موجها إلى العقلاء ، وبين أن أولى الألباب هم الذين يعقلونه ويتذكرون به ويقبلون هدايته ، وقال فيمن لا إيمان لهم ( 7 : 179 وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) ثانيهما ) ان هذا القول يدل على جهل قائله بالدين أو جحوده ، فان الدين يرشد إلى تحديد الآجال وكونها باذن اللّه كما تقدم قريبا في تفسير قوله تعالى « وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا » فارجع اليه والمشهور في كتب التفسير المتداولة أن المراد بالذين كفروا المنافقون الذين تقدم ذكرهم في الآيات . وقال الأستاذ الأمام : يقول بعض المفسرين إن هذا القول وقع من بعض الكفار فعلا فنهى اللّه المؤمنين أن يقولوا مثله والمختار أن هذا قول لا يصدر إلا عن كافر فلا يليق مثله بالمؤمنين . وقد سئل في هذا المقام عن مسألة القضاء والقدر ، فقال انني أجب السائل بمثل ما أجبت به من سألني عن ذلك من غير المسلمين ، إذ قال : إن هذه العقيدة هي السبب في تأخر المسلمين عن غيرهم من الأمم ، فإنهم ينكرون الأسباب ولا يحفلون بها فقلت له : ان ما ينتقد على المسلمين من ذلك لا يرجع منه شئ إلى الاسلام الخالص ، فما قرره فهو الحق الواقع