الشيخ محمد رشيد رضا
191
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِلى مَضاجِعِهِمْ » أي لما حصل القتل الثابت في علم اللّه تعالى إلا ببروزهم من بيوتهم إلى مواضع القتال التي يصرعون فيها . وبروزهم هذا من أعمالهم الاختيارية : فليس في الآية محال ولا نصر لمذهب على مذهب ، وإنما هي جامعة للحقائق مستعلية على جميع المذاهب ، مبطلة لكل من دعوى الجبر المحض والتعطيل المحض ودعوى الذبذبة بينهما . ويؤيد اثباتها لحقيقة عمل الانسان واختياره الآية الكريمة التالية وهي : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أحد لم يكن ذلك التولي منهم الا بايقاع الشيطان لهم في الزلل أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان لهم بالوسوسة . قال الراغب : استجرهم حتى زلوا فان الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الانسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه اه . ولعله يشير بذلك أن المراد بالذين تولوا الرماة الذين أمرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يثبتوا في أماكنهم ليدفعوا المشركين عن ظهور المؤمنين فإنهم مازلوا وانحرفوا عن مكانهم الا مترخصين في ذلك إذ ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة من هزيمتهم فلا يترتب على ذهابهم وراء الغنيمة ضرر ، فكان هذا الترخص والتأويل للنهي الصريح عن التحول وترك المكان سببا لكل ما جرى من المصائب وأعظمها ما أصاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وهناك وجه آخر وهو أن الذين تولوا هم جميع الذين تخلوا عن القتال من الرماة وغيرهم ، كالذين انهزموا عندما جاءهم العدو من خلفهم واستدل القائلون بهذا الوجه بما روى من أن عثمان بن عفان عوتب في هزيمته يوم أحد فقال : ان ذلك خطأ عفا اللّه عنه أما كون الاستزلال قد كان ببعض ما كسبوا فقد قيل : ان الباء في قوله « ببعض » على أصلها وأن الزلل الذي وقع هو عين ما كسبوا من التولي عن القتال وقيل إنها للسببية أي إن بعض ما كسبوا قد كان سببا لزلتهم ولما كان السبب متقدما دائما على المسبب وجب أن يكون ذلك البعض من كسبهم متقدما على زللهم هذا ومفضيا اليه . فإن كان المراد بالذين تولوا الرماة جاز أن يكون المراد