الشيخ محمد رشيد رضا
172
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذا الذي يتجرأ على الإحاطة بالرسل علم واللّه يقول لنبيه ( 4 : 164 وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) ومن التفسير المأثور قول قتادة : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللّه وما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم وما استكانوا أي ما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم . وقال ابن إسحاق : فما وهنوا لقتل النبي وما ضعفوا عن عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن اللّه وعن دينهم وذلك هو الصبر « وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ » اه . وقد تقدم معنى حب اللّه للناس في أوائل هذه السورة أي وإذا كان يحب الصابرين أمثالهم ، فعليكم أن تعتبروا بحالهم ، فان دين اللّه واحد ، وسنته في خلقه واحدة ، ولذلك هديتم إلى السنن ، وأمرتم بمعرفة عاقبة من سبقكم من الأمم ، فاقتدوا بعمل الصادقين الصابرين ، وقولوا مثل قول أولئك الربيين . ( وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ) أي ما كان لهم من قول في تلك الحال التي اعتصموا فيها بالصبر والثبات ، وعزة النفس ، وشدة البأس ، الا ذلك القول المنبىء عن قوة إيمانهم ، وصدق إرادتهم ، وهو الدعاء بأن يغفر اللّه لهم بجهادهم ما كانوا ألموا به من الذنوب والتقصير في إقامة السنن ، أو الوقوف عندما حددته الشرائع ، ( وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا ) بالغلو فيه ، وتجاوز الحدود التي حددتها السنن له ( وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ) على الصراط المستقيم الذي هديتنا إليه حتى لا تزحزحنا عنه الفتن ، وفي موقف القتال ، حتى لا يعرونا الفشل ( وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) بك ، الجاحدين لآياتك ، المعتدين على أهل دينك ، فلا يشكرون لك نعمة بالتوحيد والتنزيه ، ولا بفعل المعروف وترك المنكر ، ولا يمكنون أهل الحق من إقامة ميزان القسط ، فان النصر بيدك ، تؤتيه من تشاء بمقتضى سننك ، ومنها ان الذنوب ، والاسراف في الأمور ، من أسباب البلاء والخذلان ، وأن الطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح . ولذلك سألوا اللّه أن يمحو من نفوسهم أثر كل ذنب وإسراف . وأن يوفقهم إلى دوام الثبات . ولا شك أن الدعاء والتوجه إلى اللّه تعالى في مثل هذه الحال مما يزيد المؤمن المجاهد قوة وعزيمة ومصابرة للشدائد . ولذلك يعترف علماء النفس والاخلاق