الشيخ محمد رشيد رضا

159

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حضرها ، ثم جاءت وقعة أحد فكان منهم من انكسرت نفسه في أثناء الواقعة ووهن عزمه ومنهم وهن وضعف بعدها عندما ندبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اتباع المشركين معه في حمراء الأسد . كأنه يقول : يا سبحان اللّه لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الحرب ، فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنتم تتمنونه وأنتم تنظرون اليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم ، عندما وقع الموت فيكم ؟ وما بالكم تحزنون وتضعفون عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون ؟ ومن تمنى الشئ وسعى اليه ؛ لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه ، فقوله « وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ » للتأكيد لان الانسان يرى الشئ أحيانا ولكنه لانشغاله عنه ربما لا يتبينه فأراد أن يقول إنكم قد رأيتموه رؤية كان لها الأثر الثابت في نفوسكم لا رؤية من قبيل لمح الشئ مع الغفلة عنه وعدم المبالاة به . قال : وقال بعض المفسرين إن الجملة مستأنفة أي أبصرتموه وأنتم الآن تنظرون وتتأملون فيما رأيتموه وتفكرون في علاقته بشئونكم ، والذي يظهر هو صحة التأويل الأول . يعنى أنها مؤكدة أقول : وقد جرى صاحب الكشاف والبيضاوي وأبو السعود على أنها حالية وأن معناه رأيتم الموت ناظرين إلى وقوعه بكم ، واغتياله لاخوانكم متوقعين أن يحل بكم ما حل يهم ، قال جماعة وهو توبيخ لهم على تمنيهم الموت وإلحاحهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالخروج إلى الحرب . ونقول : انه تذكير لمن انهزم وعصى منهم بأن ما سبق من تمنيهم الموت لم يكن عن رسوخ ويقين وتفضيل للشهادة ولقاء اللّه على الحياة وإنما كان فيه شائبة من الغرور والزهو وإرشاد توبيخى لهم ولأمثالهم إلى أن يحاسبوا أنفسهم ويطالبوها بالكمال الذي تأتى فيه الاعمال مصدقة لخواطر النفس وتمنياتها كما تقدم شرحه . بعد هذا بين اللّه تعالى حكمة أخرى من أعظم الحكم المتعلقة بغزوة أحد وهي إشاعة قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما كان من تأثيرها في المسلمين وما كان يجب أن يكون وقد ذكرنا تفصيل ذلك في القصة قبل الشروع في تفسير الآيات التي نزلت فيها فقال : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ الخ . تقدم أنه أشيع عندما فرق خالد جمع المسلمين في أحد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد