الشيخ محمد رشيد رضا

152

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قاله بعض المفسرين في جملته لا في تصويره . وصوره هو بنحو ما يأتي : كل انسان يحكم لنفسه في نفسه بأمور كثيرة يصدقه فيها الحق الواقع أو يكذبه فالمعتقد حفّية الدين قد يتصور وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل اللّه ليحفظ شرف دينه ويدفع عنه كيد المعتدين ، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه خلاف ما كان يتصورو تقدم الكلام في هذه المسألة آنفا ) . فالانسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى كمال التجلي إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة فالتجارب والشدائد كتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره . ثم إنها أيضا تنفى خبثه وزغله . كذلك كان الامر في أحد : تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين وتطهرت نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها فصارت تبرا خالصا وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطمعوا في الغنيمة والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب ، ولا لكسل ويتواكل ، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات ، وتبديل سنن اللّه في المخلوقات بل خلق ليكون أكثر الناس جدا في العمل ، وأشدهم محافظة على النواميس والسنن أقول : وقد تجلى أثر هذا التمحيص أكمل التجلي في غزوة حمراء الأسد إذ أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا يتبع المشركين إلا من شهد القتال بأحد ، فامتثلوا الامر بقلوب مطمئنة وعزائم شديدة وهم على ما هم من تبريح الجراح بهم كما تقدم بيانه . فليعتبر بهذا مسلمو هذا الزمان وليعلموا ما هو مقدار حظهم من الاسلام والايمان . وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناؤهم وهلاكهم وإنما هو اليأس يسطو عليهم وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم‌لعدم الايمان الذي يثبت قلوب أصحابه في الشدائد ) حتى يذهب ما كان قد بقي من نور الفضيلة في نفوسهم فلا تبقى لهم شجاعة ولا بأس ولا شئ من عزة النفس فيكون أحدهم كالهلال في المحاق لا نور له ، بل يكون وجوده كالعدم ، لأنه لا أثر له ولا فائدة فيه ، فذلك محقه إذا غلب على أمره وإذا هو انتصر طغى وتجبر وبغى وظلم ، وذلك محق معنوي تكون عاقبته المحق الصوري كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين وإنما يبقون ظاهرين إذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم .