الشيخ محمد رشيد رضا
145
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تلك الذنوب فتكون التربية خيرا لكم من عدمها بل يجب أن تزيدكم المصائب قوة وثباتا بما تربيكم على اتباع سنن اللّه في الحزم والبصيرة وإحكام العزيمة واستيفاء الأسباب في القتال وغيره وأن تعلموا أن الذين قتلوا منكم شهداء وذلك ما كنتم تتمنونه كما سيأتي فتذكّره مما يذهب بالحزن من نفس المؤمن . وهاتان العلتان قد ذكرتا في الآية التي بعد هذه ) وكيف تهنون وتحزنون وأنتم الأعلون بمقتضى سنن اللّه تعالى في جعل العاقبة للمتقينالذين يتقون الحيدان عن سننه ) وفي نصر من ينصره ويتبع سننه باحقاق الحق وإقامة العدل ، والمؤمنون أجدر بذلك من الكافرين الذين يقاتلون لمحض البغى والانتقام ، أو الطمع فيما في أيدي الناس ، فهمة الكافرين تكون على قدر ما يرمون إليه من الغرض الخسيس . وما يطلبونه من العرض القريب ، فهي لا تكون كهمة المؤمن الذي غرضه إقامة الحق والعدل في الدنيا ، والسعادة الباقية في الآخرة ، أي إن كنتم مؤمنين بصدق وعد اللّه بنصر من ينصره ، وجعل العاقبة للمتقين المتبعبن لسنته في نظام الاجتماع بحيث صار هذا الايمان وصفا ثابتا لكم حاكما في ضمائركم وأعمالكم فأنتم الأعلون وإن أصابكم ما أصابكم . وإذا كان الأمر كذلك فلا تهنوا ولا تحزنوا فان ما أصابكم يعدكم للتقوى ، فتستحقون تلك العاقبة وهي علو السيادة عليهم وقيل « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » متعلق بالنهى ، وجملة « وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ » حال معترضة ، أي فلا تضعفوا ولا تحزنوا ان كنتم مؤمنين لأن من مقتضى الايمان الصبر والثبات والرغبة في إحدى الحسنيين - الظفر أو الشهادة - على أن مجموع الأمة موعود بالحسنيين جميعا ، وإنما يطلب إحداهما الافراد . وقال الأستاذ الامام ما معناه : إن الحزن إنما يكون على ما فات الانسان وخسره مما يحبه وسببه أنه يشعر أنه قد فاته بفوته شئ من قوته وفقد بفقده شيئا من عزيمته أو أعضائه . ذلك بأن صلة الانسان يمحبوباته من المال والمتاع والناس كالأصدقاء وذي القربى تكسبه قوة وتعطيه غبطة وسرورا فإذا هو فقد شيئا منها بلاعوض فإنه يعرض لنفسه ألم الحزن الذي يشبه الظلمة ويسمونه كدرا كأن النفس كانت صافية رائقة فجاء ذلك الانفعال فكدرها بما أزال من صفوها . وقد يقال هنا : لماذا نهاهم عن الوهن « تفسير آل عمران » « 10 » « س 3 ج 4 »