الشيخ محمد رشيد رضا

142

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

به نبههم على هذا التطبيق في أنفسهم وأرشدهم إلى تطبيقه على أحوال الأمم الأخرى فقال فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قال الأستاذ الامام : أي إن المصارعة بين الحق والباطل قد وقعت من الأمم الماضية وكان أهل الحق يغلبون أهل الباطل وينصرون عليهم بالصبر والتقوى ( أي اتقاء ما يجب اتقاؤه في الحرب بحسب الزمان والمكان ودرجة استعداد الأعداء ) وكان ذلك يجرى بأسباب مطردة ، وعلى طرائق مستقيمة ، يعلم منها أن صاحب الحق إذا حافظ عليه ينصر ويرث الأرض ، وأن من ينحرف عنه ويعيث في الأرض فسادا يخذل وتكون عاقبته الدمار ، فسيروا في الأرض واستقروا ما حل بالأمم ليحصل لكم العلم الصحيح التفصيلي بذلك وهو الذي يحصل به اليقين ويترتب عليه العمل وقال بعض المفسرين : أي لم تصدقوا فسيروا . وهذا قول باطل . قال : والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضيين وتعرف ما حل بهم هو الذي يوصل إلى معرفة تلك السنن والاعتبار بها كما ينبغي . نعم إن النظر في التاريخ الذي يشرح ما عرفه الذين ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين خلوا يعطى الانسان من المعرفة ما يهديه إلى تلك السنن ويفيده عظة واعتبارا ولكن دون اعتبار الذي يسير في الأرض بنفسه ويرى الآثار بعينه ولذلك أمر الناس بالسير والنظر ثم أتبع ذلك بقوله هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ قال الأستاذ الامام ما مثاله مع زيادة تتخلله : كأنه يقول إن كل انسان له عقل يعتبر به فهو يفهم أن السير في الأرض يدله على تلك السنن ولكن المؤمن المتقى أجدر بفهمها لأن كتابه أرشده إليها وأجدر كذلك بالاهتداء والاتعاظ بها . وقد بينا في تفسير الفاتحة أن لسير الناس في الحياة سننا يؤدى بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها إلى الهلاك والشقاء وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهى إلى غايتها سواء كان مؤمنا أو كافرا ، كما قال سيدنا على : إن هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم وخذلتم بتفرقكم عن حقكم . ومن هذه السنن أن اجتماع الناس وتواصلهم وتعاونهم على طلب مصلحة من مصالحهم يكون مع الثبات من أسباب نجاحهم ووصولهم إلى مقصدهم سواء كان ما اجتمعوا عليه حقا أو باطلا ؛ وإنما يصلون إلى مقصدهم بشئ من الحق والخير ويكون ما عندهم من