الشيخ محمد رشيد رضا

140

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم ، وإن سلكتم سبل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم . وفي هذا تذكير لمن خالف أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أحد ، ففي الآية مجارى أمن ومجارى خوف ، فهو على بشارته لهم فيها بالنصر وهلاك عدوهم ينذرهم عاقبة الميل عن سننه ، ويبين لهم أنهم إذا ساروا في طريق الضالين من قبلهم فإنهم ينتهون إلى مثل ما انتهوا إليه . فالآيه خبر وتشريع ، وفي طيها وعد ووعيد وأقول : السنن جمع سنة وهي الطريقة المعبدة والسيرة المتبعة أو المثال المتبع قيل إنها من قولهم سن الماء إذا وإلى صبه فشبهت العرب الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فإنه لتوالى اجزائه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد . ومعنى خلت : مضت وسلفت . أي إن أمر البشر في اجتماعهم وما يعرض فيه من مصارعة الحق للباطل وما يتبع ذلك من الحرب والنزال والملك والسيادة وغير ذلك قد جرى على طرق قويمة وقواعد ثابتة اقتضاها النظام العام وليس الأمر أنفا كما يزعم القدرية ، ولا تحكما واستبدادا كما يتوهم الحشوية . جاء ذكر السنن الإلهية في مواضع من الكتاب العزيز ، كقوله في سياق أحكام القتال وما كان في وقعة بدر ( 8 : 38 قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ) وقوله في سياق أحوال الأمم مع أنبيائهم ( 15 : 13 وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) وقوله في سياق دعوة الاسلام ( 18 : 55 وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ) وقوله في مثل هذا السياق ( 35 : 43 فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ؟ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) وصرح في سور أخرى كما صرح هنا بأن سننه لا تتبدل ولا تتحول كسورة بني إسرائيل وسورة الأحزاب وسورة الفتح هذا ارشاد الهى ، لم يعهد في كتاب سماوي ، ولعله أرجىء إلى أن يبلغ الانسان كمال استعداده الاجتماعي ، فلم يرد الا في القرآن ، الذي ختم اللّه به الأديان . كان المليون من جميع الأجيال يعتقدون أن أفعال اللّه تعالى في خلقه تشبه أفعال الحاكم المستبد في حكومته ؛ المطلق في سلطته ؛ فهو يحابى بعض الناس فيتجاوز لهم عما يعاقب لأجله غيرهم ، ويثيبهم على العمل الذي لا يقبله من سواهم ، لمجرد