الشيخ محمد رشيد رضا

136

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والحاكم بسلطانه عليه وقال الأستاذ الامام أعيد الموصول لإفادة التنويع : فهؤلاء نوع من المتقين غير الذين ينفقون في السراء الخ ( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) لا يصر المؤمن المتقى من أهل الدرجة الدنيا على ذنبه وهو يعلم أن اللّه تعالى نهى عنه وتوعد عليه ولا يصر كذلك بالأولى ، صاحب الدرجة العليا ، من أهل الايمان والتقوى ، وهو يعلم أن الذنوب فسوق عن نظام الفطرة السليمة ، واعتداء على قانون الشريعة القويمة ، وبعد عن مقام النظام العام الذي يعرج عليه البشر إلى قرب ذي الجلال والاكرام ومثال ذلك من يخضع لقوانين الحكام الوضعية خوفا من العقوبة ، ومن يخضع لها احتراما للنظام ، وما أبعد الفرق بين الفريقين . قالت رابعة العدوية رحمها اللّه تعالى كلهم يعبدون من خوف نار * ويرون النجاة حظا جزيلا أو لأن يسكنوا الجنان فيحظوا * بقصور ويشربوا سلسبيلا ليس لي في الجنان والنار حظ * أنا لا ابتغى سواك بديلا فالآية هادية إلى أن المتقين الذين أعد اللّه لهم الجنة لا يصرون على ذنب ينكبونه صغيرا كان أو كبيرا لأن ذكره عز وجل يمنع المؤمن بطبيعته أن يقيم لي الذنب . وقد بينا في مواضع كثيرة من التفسير أن الايمان والعمل بمقتضاه متلازمان . وقد قالوا إن الاصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة وهذا أقل ما يقال فيها ورب كبيرة أصابها المؤمن بجهالة وبادر إلى التوبة منها فكانت دائما مذكرة له بضعفه البشرى وسلطان الغضب أو الشهوة عليه ووجوب مقاومة هذا السلطان طلبا للكمال بالقرب من الرحمن ، خير من صغيرة يقترفها المرء مستهينا بها فيصر عليها فتأنس نفسه بالمعصية ، وتزول منها هيبة الشريعة ، فيتجرأ بعد ذلك على الكبائر فيكون من الهالكين ، ورأيت المفسرين يوردون هنا حديث « ما أصر من استغفر وان عاد في اليوم سبعين مرة » وهو حديث ضعيف رواه أبو داود والترمذي عن أبي بكر رضى اللّه عنه . ومن الجاهلين من يراه فيغتر به ظانا أن الاستغفار باللسان كاف في التوبة ومنافاة الاصرار وأن الحديث كالمفسر للآية فيتجرأ على المعصية وكلما أصاب منها شيئا حرك لسانه بكلمة « استغفر اللّه » مرة أو مرات وربما عد مئة أو أكثر واعتقد أن ذلك كفارة له . والصواب أن الاستغفار في الحديث عبارة عن التوبة لا عن كون اللفظ كفارة . على أن ، لا حجة فيه لضعفه . وراجع بحث الاستغفار