الشيخ محمد رشيد رضا
130
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاسلام كله مبنى على قاعدة اليسر ورفع الحرج والعسر الثابتة بنص قوله تعالى ( 2 : 185 يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) وقوله ( 5 : 6 ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) وإن المحرمات في الاسلام قسمان . الأول ما هو محرم لذاته لما فيه من الضرر وهو لا يباح الا لضرورة ، ومنه ربا النسيئة المتفق على تحريمه ، وهو مما لا تظهر الضرورة إلى أكله ، أي إلى أن يقرض الانسان غيره فيأكل ماله أضعافا مضاعفة كما تظهر في أكل الميتة وشرب الخمر أحيانا - والثاني ما هو محرم لغيره كربا الفضل المحرم لئلا يكون ذريعة وسببا لربا النسيئة وهو يباح للضرورة بل وللحاجة كما قاله الإمام ابن القيم وأورد له الأمثلة من الشرع فقسم الربا إلى جلى وخفى وعده من الخفي ( وقد ذكرنا عبارته آنفا ) فأما الأفراد من أهل البصيرة فيعرف كل من نفسه هل هو مضطر أو محتاج إلى أكل هذا الربا وإيكاله غيره فلا كلام لنا في الأفراد ، وإنما المشكل تحديد ضرورة الأمة أو حاجتها فهو الذي فيه التنازع وعندي أنه ليس لفرد من الأفراد ان يستقل بذلك وانما يرد مثل هذا الأمر إلى أولى الآمر من الأمة أي أصحاب الرأي والشأن فيها والعلم بمصالحها عملا بقوله تعالى في مثله من الأمور العامة ( 4 : 83 وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) فالرأي عندي أن يجتمع أولو الأمر من مسلمى هذه البلاد وهم كبار العلماء المدرسين والقضاة ورجال الشورى والمهندسون والأطباء وكبار المزارعين والتجار ويتشاوروا بينهم في المسألة ثم يكون العمل بما يقررون أنه قد مست اليه الضرورة أو ألجأت اليه حاجة الأمة . هذا هو معنى ما قلته في نادى دار العلوم هذا وان مسلمى الهند قد سبقوا مسلمى مصر إلى البحث في هذه المسالة وأكثروا الكتابة فيها في الجرائد ولكنهم طرقوا بابا لم يطرقه المصريون وهو ما جاء في بعض المذاهب من إباحة جميع المعاملات الباطلة والعقود الفاسدة في غير دار الاسلام . والأصل في هذه المسألة ان الاسلام لم يحرم الربا ولا غيره من المعاملات الا بعد أن صار له سلطة وحكم في دار الهجرة وكأنهم يرون المجال واسعا للبحث في بلاد الهند هل هي دار إسلام أم لا دون بلاد مصر التي لا تزال حكومتها الرسمية إسلامية بحسب