الشيخ محمد رشيد رضا
128
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
انما تعرضت هنا لربا الفضل وهو ليس مما تتناوله الآية الكريمة للتفرقة ولأن مسألة الربا قد قامت لها البلاد المصرية وقعدت في هذه الأيام واقترح كثيرون انشاء بنك اسلامى وألقيت فيها خطب كثيرة في نادى دار العلوم بالقاهرة خالف فيها بعض الخطباء بعضا « 1 » فمال بعضهم إلى منع كل ما عده الفقهاء من الربا وأنحى بعضهم على الفقهاء ولم يعتد بقولهم ومال آخرون إلى عدم منع ربا الفضل أو مادون المضاعف فغلا بعضهم وتوسط بعض ، ولم يأت أحد بتحرير البحث واقناع الناس بشئ يستقر عليه الرأي وفي الليلة التي ختم فيها هذا البحث ألقى كاتب هذا خطابا وجيزا في المسألة قال رئيس النادي حفني بك ناصف في خطبته الختامية انه فصل الخطاب ورغب الينا هورئيس النادي ) وغيره أن ندونه وهذا هو بالمعنى : ان اللّه تعالى قد حرم ربا النسيئة الذي كانت عليه الجاهلية تحريما صريحا ونهى عنه نهيا مؤكدا وورد في الأحاديث الصحيحة تحريم ربا الفضل والنهى عنه فالبحث في هذه المسألة من وجهينالوجه الأول ) النظر فيها من الجهة النظرية المعقولة فنقول : ان كل ما جاء به الاسلام من الأحكام الثابتة المحكمة فهو خير واصلاح للبشر وموافق لمصالحهم ما تمسكوا به . ولكن من الناس من يظن اليوم ان إباحة الربا ركن من أركان المدنية لا تقوم بدونه فالأمة التي لا تتعامل بالربا لا ترتقى مدنيتها ولا يحفظ كيانها . وهذا باطل في نفسه إذ لو فرضنا ان تركت جميع الأمم أكل الربا فصار الواجدون فيها يقرضون العادمين قرضا حسنا ويتصدقون على البائسين والمعوزين ويكتفون بالكسب من موارده الطبيعية كالزراعة والصناعة والتجارة والشركات ومنها المضاربة لما زادت مدنيتهم الا ارتقاء ببنائها على أساس الفضيلة والرحمة والتعاون الذي يحبب الغنى إلى الفقير ولما وجد فيها الاشتراكيون الغالون ، والفوضويون المغتالون ، وقد قامت للعرب مدنية إسلامية لم يكن الربا من أركانها فكانت خير مدنية في زمنها . فما شرعه الاسلام من منع الربا هو عبارة عن الجمع بين المدنية والفضيلة وهو أفضل هداية للبشر في حياتهم الدنيا .
--> ( 1 ) منهم المشايخ عبد العزيز شاويش ومحمد سلامه ومحمد الخضري وإسماعيل خليل وعبد الوهاب النجار وكل هؤلاء متخرجون في مدرسه دار العلوم .