الشيخ محمد رشيد رضا

118

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

واما المعنى فقد قال ابن جرير : يعنى بذلك تعالى ذكره : ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الامر شئ فقوله « أو يتوب عليهم » منصوب عطفا على قوله أو « يكبتهم » وقد يحتمل ان يكون تأويله ليس لك من الامر شئ حتى يتوب عليهم ، فيكون نصب يتوب بمعنى « أو » التي هي في معنى « حتى » والقول الأول أولى بالصواب لأنه لا شئ من امر الخلق إلى أحد سوى خالقهم ، قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك . وتأويل « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » ليس إليك يا محمد من امر خلقي الا ان تنفذ فيهم امرى وتنتهى فيهم إلى طاعتي وإنما أمرهم إلى والقضاء فيهم بيدي دون غيرى اقضى فيهم واحكم بالذي أشاء من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف امرى أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي . انتهى قول ابن جرير وقد أورد بعده ما عنده من الروايات في الآية وأقول : لو لم يكن لما جرى في غزوة أحد حكمة الا نزول هذه الآية لكفى فكيف وقد جمع إليها ما سيأتي من الحكم الدينية والاجتماعية والحربية ! ! كان المؤمنون السابقون إلى الاسلام على ثقة من وعد اللّه تعالى بنصر نبيه وإظهار دينه لم يزلزل إيمانهم بذلك ضعفهم وقلتهم ، ولا اخراج المشركين للمهاجرين من ديارهم وأموالهم ، وكانت وقعة بدر أول تباشير هذا النصر ، فلما رأوا ان اللّه تعالى نصرهم على قلتهم وضعفهم بعد ما كان من دعاء الرسول وتضرعه واستغاثته ربه زادهم ذلك إيمانا بأنهم هم المنصورون ، ولكن وقع في نفوس الكثيرين - إن لم نقل في نفوس الجميع - أن نصرهم سيكون بالآيات والعناية الخاصة من غير التزام للسنن الإلهية في الاجتماع البشرى ، وأن وجود الرسول فيهم ودعاءه على أعدائهم هما أفعل في التتكيل بالكفار من التزام الأسباب الظاهرة التي أهمها طاعة القائد والتزام النظام العسكري وغير ذلك ، ولكن الاسلام دين الفطرة لا الخوارق كانت عاقبة ذلك ان قصروا في هذه الأسباب يوم أحد حتى ظهر عليهم العدو وجرح الرسول نفسه - وإن لم يقصر هو ولم ينهزم صلّى اللّه عليه وسلّم كما هي السنة الاجتماعية التي