الشيخ محمد رشيد رضا

115

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كان المؤمنون يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على اللّه تعالى وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم ، وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال ( 8 : 15 إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) فبذلوا كل قواهم وامتثلوا أمر ربهم ، ولم يكن في نفوسهم استشراف إلى شئ ما غير نصر اللّه وإقامة دينه والذود عن نبيه لا في أول القتال ولا في أثنائه ، فكانت أرواحهم بهذا الايمان وهذا الصفاء قد علت وارتقت حتى استعدت لقبول الالهام من أرواح الملائكة والتقوى بنوع ما من الاتصال يها وأما يوم أحد فقد كان بعضهم في أول الأمر على مقربة من الافتتان بما كان من المنافقين ، ولذلك همت طائفتان منهم أن تفشلا . ثم إنهم لما تثبتوا وباشروا القتال انتصروا وهزموا المشركين الذين هم أكثر من ثلثهم ، فكان بعد ذلك أن خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول ، وطمعوا في الغنيمة وفشلوا وتنازعوا في الأمر فضعف استعداد أرواحهم ، فلم ترتق إلى أهلية الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد ، لأن الامداد لا يكون إلا على حسب الاستعداد هذا هو السبب لما حصل بحسب ما يظهر لنا . وأما حكمته فهي تمحيص المؤمنين كما سيأتي في قوله « وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ » الخ وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن اللّه تعالى في الأسباب والمسببات كما سيأتي في قوله « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » وبيان أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول وأن قتل الرسول أو موته لا ينبغي أن يكون منبطا للهمم ولا داعية إلى الانقلاب على الأعقاب ، وأنه ليس له من أمر العباد شئ وأن كل ما يصيبهم من المصائب فهو نتيجة عملهم إذ هو عقوبة طبيعية لهم وغير ذلك مما بينه اللّه تعالى في قوله « أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ » الخ وقوله « وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ » الخ وغيرهما فلا نتمجله قبل الكلام في تفسير الآيات الناطقة به وما هي ببعيد ومن نكت البلاغة المؤيدة لما ذكرنا من اختلاف الحالين في الواقعتين : أنه تعالى قال هنا وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وقال في سورة الأنفال ( 8 : 10 وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) والفرق بينهما ان المؤمنين لم يكن لهم يوم بدر ما تطمئن به قلوبهم غير وعد اللّه وبشارته لهم على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولذلك كان من دعائه يومئذ « اللهم