الشيخ محمد رشيد رضا

110

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الشكر على النعم التي يسديكم إياها فمن لم يرض نفسه بالتقوى غلب عليه اتباع الهوى فلا يرجى له أن يكون شاكرا يصرف النعمة إلى ما وهبت لأجله من الحكم والمنافع . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ قيل : ان هذا متعلق بقوله « وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ » وقيل إنه خاص بوقعة أحد التي ورد فيها هذا السياق كقوله « إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا » متعلق بتبوىء أو بسميع أو بدل من إذ الأولى والتقدير تبوئهم مقاعد للقتال في الوقت الذي هم فيه بعضهم بالفشل مع أن اللّه نصركم ببدر على قلة وذلة - وفي الوقت الذي كنت تقول فيه للمؤمنين ( أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ) وهذا هو المختار والتقدير على الأول : إن اللّه نصركم ببدر في ذلك الوقت الذي كنت تقول فيه لهم « أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ » الخ أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل اللّه « أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ » الخ فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين . ورواه ابن جرير عن الشعبي وعن غيره وذكر الخلاف في حصول هذا الامداد بالفعل وان بعضهم يقول إنه لم يحصل وبعضهم قال إنه حصل يوم بدر ونقل عن بعضهم ان الوعد بالامداد وان لم يحصل ببدر عام في كل الحروب وأنهم أمدوا في حرب قريظة والنضير والأحزاب ولم يمدوا يوم أحد لأنهم لم يصبروا ولم يتقوا . وروى عن الضحاك أن هذا كان موعدا من اللّه يوم أحد عرضه على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف . وروى نحوه عن ابن زيد قال « قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم ينظرون المشركين أليس اللّه يمدنا كما أمدنا يوم بدر ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ألن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وإنما أمدكم يوم بدر بألف . قال فجاءت الزيادة بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ الفور في الأصل فوران القدر ونحوها ثم استعير الفور للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا ربث فيها ولا تعريج من صاحبها على شئ ؛ فمعنى يأتوكم من فورهم من ساعتهم هذه بدون إبطاء . ومسومين من التسويم قرأها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب