الشيخ محمد رشيد رضا
108
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ببغضهم إياهم وإن خادعهم أفراد منهم بدعوى الايمان وأنهم إن يصبروا ويتقوا ما يجب اتقاوه لا يضرهم كيدهم شيئا ؛ وبعد هذا البيان ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد وما كان فيها من كيد المنافقين إذ قالوا ما قالوا أولا وآخرا وإذ خرجوا ثم انشقوا ورجعوا ليخذلوا المؤمنين ويوقعوا الفشل فيهم ، ومن كيد المشركين وتألبهم الذي لم يكن له من دافع الا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم وإلا التقوى ومنها - بل أهمها - طاعة الرسول فيما أمر به هؤلاء الرماة ، وذكرهم أيضا بوقعة بدر إذ نصرهم على قلتهم بصبرهم وتقواهم . قال تعالى ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ) أي واذكر بعد هذا يا محمد إذ خرجت من بيت أهلك غدوة ، وذلك سحر يوم السبت سابع شوال من سنة ثلاث للهجرة تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ أي توطنهم وتنزلهم أماكن ومواضع في الشعب من أحد لأجل القتال فيها . فمنها موضع للرماة وموضع للفرسان وموضع لسائر المؤمنين فالمقاعد جمع مقعد وهو في الأصل مكان القعود كالمجلس لمكان الجلوس والمقام لمكان القيام ، ثم استعملت هذه الألفاظ كلها بمعنى المكان توسعا . وقيل : تبوئة المقاعد تسويتها وتهيئتها . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لم يخف عنه شئ مما قيل في مشاورتك لمن معك في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في أحد أو انتظارهم في المدينة ، فهو قد سمع أقوال المشيرين وعلم نية كل قائل وأن منهم المخلص في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم ، ومنهم غير المخلص في قوله وإن كان صوابا كعبد اللّه ابن أبي ومن معه من المنافقين . ويصح أن يكون الوصفان الكريمان متعلقا للظرف في الآية التالية كما نبينه في تفسيرها وذهب ابن جرير إلى أن الخطاب في هذه الآية للنبي والمراد به أصحابه يضرب لهم مثلا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً بتذكيرهم بما كان يوم أحد من وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر والتقوى - وذنب الجماعة أو الأمة لا يكون عقابه قاصرا على من اقترفه بل يكون عاما - وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم