الشيخ محمد رشيد رضا

18

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والشفاعة خاص بمن لا يسمى نفسه مسلما . وأما من قبل هذا الاسم فان الآية لا تتناولهم . وإن كان الخطاب فيها للذين آمنوا . وستعلم أن لفظ الكافرين لا يراد به هنا منكر والألوهية والنبوة أو رافضو لقب الاسلام ، لأن هذا اصطلاح لم يلتزمه القرآن . سبق القول في الشفاعة والجزاء والفداء في تفسير آية « 48 وَاتَّقُوا يَوْماً » التي استشهدنا بها آنفا فلا نعيده . ولكن بدا لي أن اكتب جملة وجيزة في مسألة قياس عالم الغيب على عالم الشهادة في التماس السعادة بالاسعاد والشفاعة ، فأقول : تقدم أن القياس باطل على تقدير صدق ظنهم في سعادة الدنيا . لأن الشفاعة المعروفة عند الملوك والحكام - وهي أكبر الشبهات في هذا المقام - مما يستحيل على اللّه عز وجل لأن الشفيع هنا يحدث في ذهن المشفوع عنده من الرأي والعلم بالمصلحة وفي قلبه من الميل والأثر ما لم يكن فيهما ، فيعفو ويصفح أو يهب ويمنح إما بهذه العاطفة وإما بتلك المعرفة . لأن عمل الانسان في الدنيا يصدر عن أحد هذين المصدرين في النفس أو عن كليهما . وأما أفعال اللّه تعالى فهي تابعة لعلمه وحكمته وسائر صفاته القديمة التي يستحيل أن يطرأ عليها تغيير ما . وهذه هي الشفاعة التي يتعلق بها السفهاء المغرورون وقد نفاها اللّه تعالى في هذه الآية وغيرها من الآيات وبين فيها وفي آيات أخرى كثيرة جدا أن سعادة الآخرة إنما تنال بالأعمال الصالحة مع الايمان الصحيح المؤثر في الوجدان ، المصرف للإرادة في الاعمال . وإنما الذي أريد أن أقوله : هنا هو أن السعادة الدنيوية الحقيقية التي يعرفها الشرع ويؤيده الاختبار والعقل ، هي في الأنفس لا في الآفاق . أعنى أنها لا تنال باسعاد الاخلاء ، ولا بشفاعة الشفعاء ، إنما العمدة فيها على اعتدال النفس في أخلاقها وأعمالها ، وصحة عقائدها ومعارفها ، ويتبع هذا في الغالب صحة الجسم ، وسهولة طرق الرزق ، والسلامة من الخرافات والأوهام ، التي تفتك بالعقول والأجسام ، ويظهر صدق هذا القول ظهورا بينا تقل فيه الشبهات في البلاد التي تساس بالعدل ويكون الحكام فيها مقيدين بأحكام الشريعة التي تكفلها الأمة . وإنما تعرض الشبهات على صدقه في البلاد التي يحكم فيها السلاطين بإرادتهم وأهوائهم