الشيخ محمد رشيد رضا
16
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هؤلاء يعالجون بقوله تعالى * * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ قرأ أبو عمر وابن كثير ويعقوب « لا بيع » وما عطف عليه بالفتح والباقون بالرفع . قالوا : إن المراد بالانفاق هنا الانفاق الواجب ، لأن الكلام يتضمن الوعيد على الترك ، وهو لا يكون إلا على ترك الواجب . وقال بعضهم : بل يشتمل المندوب . ومن الواجب على أغنياء المسلمين إذا وقع الفساد في الأمة وتوقفت إزالته على المال أن يبذلوه لدفع المفاسد الفاشية والغوائل الغاشية ، وحفظ المصالح العامة . أقول وفي قوله تعالى « مِمَّا رَزَقْناكُمْ » إشعار بأنه لا يطلب منهم إلا بعض ما جعلهم مستخلفين فيه من رزقه ونعمه عليهم . فأين هذا من الطلب بصيغة الاقراض ؟ . كأنه يقول : إننا ما رزقناكم الرزق الحسن واستخلفناكم فيه إلا وقد نقلناه من أيدي قوم أساءوا التصرف فحبسوا المال وأمسكوه عن المصالح والمنافع التي يرتقى بها شأن البشر بالتعاون على البر والخير . فلا تكونوا مثلهم فإنهم ظلموا أنفسهم وقومهم ببخلهم ، فكانوا كافرين بنعم اللّه تعالى عليهم ، إذ لم يضعوها في مواضعها ولذلك ختم الآية بقوله وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ وسيأتي بيانه . أما البيع والخلة والشفاعة فللمفسرين في بيان المراد بنفيها طريقان أحدهما أن المراد بالبيع الكسب بأي نوع من أنواع المبادلة والمعاوضة . والمراد بالخلة - وهي الصداقة والمحبة للقرابة وغيرها - لازمها وهو ما يكون وراءها من الكسب كالصلة والهدية والوصية والإرث . وبالشفاعة وهي معروفة لازمها في الكسب وهو ما يكون من اقطاعات الملوك والأمراء لبعض الناس . وانما يكون غالبا بالتوسل إليهم والشفاعة عندهم . فهذه الثلاث من طرائق جمع المال وسعة الرزق في الدنيا . فهو يقول : يا أيها الذين آمنوا بادروا إلى الانفاق في سبيل اللّه مما تناله أيديكم وأنتم متمكنون منه ابتغاء مرضاة اللّه به قبل أن يأتي يوم الجزاء الذي لا تجدون فيه ما تتقربون به إليه مما يكسب ببيع وتجارة ، ولا مما ينال بخلة أو شفاعة ، فإنه هو اليوم الذي يظهر فيه فقر العباد وكون الملك للّه الواحد القهار . وأما الطريق الثاني : فقد فسروا فيه البيع بالافتداء وجعلوا فيه الخلة والشفاعة على