الشيخ محمد رشيد رضا

88

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

خطوات بضمتين جمع خطوة بالضم وهي ما بين القدمين - وبفتحتين جمع خطوة وهي المرة من خطا يخطو في مشيه ، والمعنى لا تتبعوا سيرته في الاغواء ، ووسوسته في الامر بالسوء والفحشاء ، وهو ما يبينه في الآية التالية . وعلل النهي بكونه عدوا للناس بين العداوة . والعلم بعداوته لنا لا يتوقف على معرفة ذاته ، وانما يعرف الشيطان بهذا الأثر الذي ينسب إليه وهو وحي الشر ، وخواطر الباطل والسوء في النفس ، فهو منشأ هذا الوحي والخواطر الرديئة ، قال تعالى ( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) ولا أبين وأظهر من عداوة داعية الشر والضلال ، فعلى الانسان ان يلتفت إلى خواطره ويضع لها ميزانا ، فإذا مالت نفسه إلى بذل المال لمصلحة عامة ، أو عرض له سبب معاونة عامل على خير ، أو صدقة على بائس فقير ، فعارضه خاطر التوفير والاقتصاد ، فليعلم أنه من وحي الشيطان ، ولا ينخدع لما يسوله له من إرجاء هذا العطاء لأجل وضعه في موضع أنفع ، أو بذله لفقير أحوج ، واذاهم بدفاع عن حق أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر فخطر له ما يثبط عزمه أو يمسك لسا ، فليعلم أنه من وسواس الشيطان . واظهر وحي الشياطين ما يجرىء على التحريم والتحليل لأجل المنافع التي تلبس على المتجرىء عليها بالمصلحة وسياسة الناس ، كأنه قال لا تتبعوا وحي الباطل والشر وخواطرهما تلم بكم وتطوف بنفوسكم ، فإنها من اغواء الشيطان عدوكم . ثم بين ذلك بما يفيد اثبات العداوة من تعليل النهي فقال * * * إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ دون غيرهما من الحق والخير ، فاما السوء فهو كل ما يسوءك وقوعه أو عاقبته ، فمن الشرور ما يقدم عليه المرء مندفعا بتزيين الشيطان له ، حتى إذا فعل الشر فاجأه السوء وعاجله الضرر ، ومن الاعمال ما لا يظهر السوء في بدايته ، ولكنه يتصل بنهايته ، كمن يصده عن طلب العلم أن بعض المتعلمين أضاع وقته وبذل كثيرا من ماله ثم لم يستفد من التعلم شيئا ، فهذا قياس شيطاني يصرف بعض الناس عن طلب العلم بأنفسهم ، وبعض الآباء عن تعليم أولادهم ، فتكون عاقبتهم السوءى ذات ناحيتين : سلبية وهي الحرمان من فوائد العلم ، وايجابية وهي مصائب الجهل ، وكل منهما ديني ودنيوي . فلا بد من البصيرة