الشيخ محمد رشيد رضا

86

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الآخر ، فشبهت هذه المنافع التي حملت الرؤساء على قود المرؤسين ، والتابعين على تقليد المتبوعين ، بالأسباب وهي في أصل اللغة الحبال كأنه يقول إن كل واحد منهم كان مربوطا مع الآخرين بحبال كثيرة فلم بشعروا الا وقد تقطعت هذه الحبال كلها فأصبح كل واحد منبوذا في ناحية لا يصله بالآخر شيء ، وعلى هذا تكون الباء متعلقة بمحذوف حال من الفاعل . قال الأستاذ الامام : ومن هذه الأساليب الخاصة قوله تعالى ( وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ) * و ( سُبْحانَ اللَّهِ ) * فإذا فسرت ذلك بالتحليل والارجاع إلى القواعد العامة فقلت في الأول كفى اللّه شهيدا أو كفت شهادته ، وفي الثاني تسبيحا للّه : لم يكن له تأثير الأول وموقعه من النفس . ومثل هذه الأساليب الخاصة توجد في كل لغة * * * ( 168 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 169 ) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 170 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ * * * ذكر الجلال أن الآية الأولى نزلت فيمن حرم السوائب ونحوها ولكنه لم يذكر ذلك في أسباب النزول وقد كان هذا في طوائف من العرب كمدلج وبني صعصعة وقال الأستاذ الامام : لو صح أن الآية نزلت في ذلك لما كان مقتضيا فصل الآية مما قبلها وجعلها كلاما مستأنفا لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أن الظاهر من السياق أن الكلام متصل بما قبله أتم الاتصال فان الآيات الأولى بينت حال متخذي الأنداد وما سيلاقون من عذاب اللّه تعالى ، وقد قلنا في تفسيرها إن الأنداد قسمان قسم يتخذ شارعا يؤخذ برأيه في التحليل والتحريم من غير أن يكون بلاغا عن اللّه ورسوله ، بل يجعل قوله وفعله حجة بذاته لا يسئل من اين أخذه