الشيخ محمد رشيد رضا

6

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تخرجون بالابتداع من الوسط وتكونون في أحد الطرفين كما قال الشاعر وقد استشهد به الزمخشري في تفسير الآية : كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت * بها الحوادث حتى أصبحت طرفا ( الأستاذ الامام ) يقال إن هذا خبر عظيم بمنحة جليلة ، ومنة بنعمة كبيرة ، فلم جيء به معترضا في أطواء الكلام عن القبلة ، ولم يجيء ابتداءا أو في سياق تعداد الآلاء والنعم ؟ والجواب ان اللّه تعالى علم أن الفتنة بمسألة القبلة ستكون عظيمة ، وأن سيقول أهل الكتاب ان محمدا ليس على بينة من ربه لأنه غير قبلته ، ولو كان اللّه هو الذي أمره بالصلاة إلى بيت المقدس لما نهاه عنه ثانيا وصرفه عن قبلة الأنبياء . ويقول المنافقون انه صلى أولا إلى بيت المقدس استمالة لأهل الكتاب ودهانا لهم ، ثم غلب عليه حب وطنه وتعظيمه فعاد إلى استقبال الكعبة ، فهو مضطرب في دينه . وأمثال هذه الشبهات على كونها تدل على عدم الاعتدال في أفكار قائليها تؤثر في نفوس المسلمين ، فالمطمئن الراسخ في الايمان يحزن لشكوك الناس وتشكيكهم في الدين ، والضعيف غير المتمكن ربما يضطرب ويتزلزل ، لذلك بدأ اللّه باخبار المسلمين بما سيكون بعد تحويل القبلة من إثارة رياح الشبه والتشكيك ، ولقنهم الحجة ، وبين لهم ما فيها من الحكمة ، وبين لهم منزلتهم من سائر الأمم وهي أنهم أمة وسط لا تغلو في شيء ، ولا تقف عند الظواهر ، وأنهم شهداء على الناس وحجة عليهم باعتدالهم في الأمور كلها ، وفهمهم لحقائق الدين وأسراره ، ومن أهمها ان القبلة التي يتوجه إليها لا شأن لها في ذاتها ، وإنما العبرة فيها باجتماع أهل الملة على جهة واحدة وصفة واحدة عند التوجه إلى اللّه تعالى ولما كانت نسبة الجهات اليه سبحانه وتعالى واحدة إذ لا تحصره ولا تحدده جهة كان التزام الجهة المعينة منها لغير مجرد الاتباع لأمر الرسول عن اللّه تعالى ميلا مع الهوى أو تخصيصا بغير مخصص ، وكلاهما مما لا يرضاه لنفسه العاقل المعتدل في أمره ، نعم ان له أن يسأل عن حكمة التحول والانتقال لا سيما بعد ما ثبت بالواقع ان الرسول الذي أمر به لم يأمر إلا بما ظهرت فائدته ومنفعته للممتثلين له من إصلاح النفوس وحملها على الخير وتوجيهها إلى البر مما دل عليه انه مؤيد من اللّه تعالى