الشيخ محمد رشيد رضا
70
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وإن نهوهم عنه يتمسكون كذلك بتأويلهم لما أنزل اللّه كأن التأويل أنزل معه بدون استعمال العقل ودلالة اللغة وبقية نصوص الدين للعلم بصحته وانطباقه على الحق وأما المؤمنون حقا فإنهم يوحدون اللّه تعالى ويخصونه بهذا الحب كما يوحدونه بالتشريع بمعنى انهم لا يأخذون الدين إلا عن الوحي ، ولا يفهمونه إلا بقرائن ما جاء به الوحي ، وإنما الأئمة والعلماء ناقلون للنصوص ومبينون لها ، بل قال اللّه تعالى للنبي نفسه ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) فهؤلاء المؤمنون يسترشدون بنقلهم وبيانهم ، ولكنهم لا يقلدونهم في عقائدهم ولا عبادتهم ، ولا يأخذون بآرائهم في الدين الذي هو عبارة عن سير الأرواح من عالم إلى عالم ، بل يجوزون كل عقبة ويدوسون كل رئاسة في سبيل اللّه تعالى ومحبته وابتغاء رضوانه ، فهم متعلقون باللّه ومخلصون له ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) فالمؤمنون هم المخلصون للّه في دينهم الذين لا يأخذون أحكامه إلا عن وحيه ، وأما متخذو الأنداد ومحبوهم بهذا المعنى فهم الذين ورد في بعضهم ( وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) فهم لا يقبلون حكم اللّه في كتابه ولكن إذا دعوا ليحكم بينهم بآراء رؤسائهم أقبلوا مذعنين بعد هذا ذكر اللّه وعيد متخذي الأنداد على سنة القرآن فقال وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب ( ولو ترى ) بالتاء على أن الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجوابه لرأيت أمرا عظيما وخطبا فظيعا وقرأها الباقون بالياء . وقرأ يعقوب « إن » في الموضعين بالكسر على الاستئناف أو على اضمار القول أي لو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها بالشرك ، وظلموا الناس بما غشوهم به من أقوالهم وأفعالهم فحملوهم على أن يتلوا تلوهم ، ويتخذوا الأنداد مثلهم ، حين يرون العذاب في الآخرة فتتقطع بهم الأسباب ، ولا تغني عنهم الأنداد والأرباب ، أن القوة لله جميعا يظهر تصرفها