الشيخ محمد رشيد رضا
68
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) كما ورد في التفسير المأثور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد عظمت فتنة متخذي الأنداد بهم حتى كان حبهم إياهم من نوع حبهم للّه عز وجل ولذلك قال وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أي يجعلون من بعض خلق اللّه نظراء له فيما هو خاص به يحبونهم كحبه . ذلك ان الحب ضروب شتى تختلف باختلاف أسبابها وعللها ، وكلها ترجع إلى الأنس بالمحبوب أو الركون والالتجاء اليه عند الحاجة ، فقد يحب الانسان شخصا لأنه يأنس به ويرتاح إلى لقائه لمشاكلة بينهما ، ولا مشاكلة بين اللّه تعالى وبين الناس فيظهر فيهم هذا النوع من الحب . ومن أسباب الحب اعتقاد المحب أن في المحبوب قدرة فوق قدرته ، ونفوذا يعلو نفوذه ، مع ثقته بأنه يهتم لامره ويعطف عليه ، بحيث يمكنه اللجأ اليه عند الحاجة فيستعين به على ما لا سبيل له اليه بدونه . فهذا الاعتقاد يحدث انجذابا من المعتقد يصحبه شعور خفي بان له قوة عالية مستمدة ممن يحب ، ويعظم هذا النوع من الحب بمقدار ما يعتقد في المحبوب من الصفات والمزايا التي بها كان مصدر المنافع وركن اللاجيء ، وكل ما للمخلوق من ذلك فهو داخل في دائرة الأسباب والمسببات والاعمال الكسبية وأما قوة الخالق وقدرته وما يعتقده المؤمنون فيه من الرحمة الشاملة ، والصفات الكاملة ، والمشيئة النافذة ، والتصرف المطلق في تسخير الأسباب والمسببات ، والسلطان المطاع في الأرض والسماوات ، فذلك مما يجعل حبه تعالى أعلى من كل ما يحب للرجاء فيه وانتظار الاستفادة منه ولغير ذلك وهذا الحب لا ينبغي أن يكون لغير اللّه تعالى إذ لا يلجأ إلى غيره في كل شيء كما يلجأ اليه . ولكن متخذي الأنداد قد أشركوا أندادهم معه في هذا الحب ، فحبهم إياهم من نوع حبهم إياه جل ثناؤه : لا يخصونه بنوع من الحب إذ لا يرجون منه شيئا إلا وقد جعلوا لأندادهم مثله أو ضربا من التوسط الغيبي فيه ، فهم كفار مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحد ، ولذلك قال تعالى بعد بيان شركهم هذا وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من كل ما سواه ، لان حبهم له خاص به سبحانه لا يشركون فيه غيره ، فحبهم ثابت