الشيخ محمد رشيد رضا
66
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كذا وكذا ؟ يقولون : اللّه - كثيرة وقال فيهم مع ذلك ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) وقال أيضا ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) أي يقولون ما نعبدهم الخ والأنداد عند جمهور المفسرين أعم من الأصنام والأوثان ، فيشمل الرؤساء الذين خضع لهم بعض الناس خضوعا دينيا ، ويدل عليه الآيات الآتية ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ) الخ فالمراد إذا من الند من يطلب منه ما لا يطلب إلا من اللّه عز وجل ، أو يؤخذ عنه ما لا يؤخذ إلا عن اللّه تعالى ، وبيان الأول على ما قررناه مرارا أن للأسباب مسببات لا تعدوها بحكمة اللّه في نظام الخلق ، وأن لله تعالى أفعالا خاصة به ، فطلب المسببات من أسبابها ليس من اتخاذ الأنداد في شيء ، وان هناك أمورا تخفى علينا أسبابها ، ويعمى علينا طريق طلابها ، فيجب علينا بارشاد الدين والفطرة أن نلجأ فيها إلى ذي القوة الغيبية ونطلبها من مسبب الأسباب لعله بعنايته ورحمته يهدينا إلى طريقها أو يبدلنا خيرا منها ، ويجب مع هذا بذل الجهد والطاقة في العمل بما نستطيع من الأسباب حتى لا يبقى في الامكان شيء مع اعتقادنا بأن الأسباب كلها من فضل اللّه تعالى علينا ورحمته بنا ، إذ هو الذي جعلها طرقا للمقاصد ، وهدانا إليها بما وهبنا من العقل والمشاعر لا يسمح الدين للناس بأن يتركوا الحرث والزرع ويدعوا اللّه تعالى أن يخرج لهم الحب من الأرض بغير عمل منهم أخذا بظاهر قوله ( أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) وإنما يهديهم إلى القيام بجميع الأعمال الممكنة لإنجاح الزراعة من الحرث والتسميد والبذر والسقي وغير ذلك ، وأن يتكلوا على اللّه تعالى بعد ذلك فيما ليس بأيديهم ولم يهدهم لسببه بكسبهم كانزال الأمطار ، وإفاضة الأنهار ، ودفع الجوائح ، فان استطاعوا شيئا من ذلك فعليهم أن يطلبوه بعملهم لا بألسنتهم وقلوبهم ، مع شكر اللّه تعالى على هدايتهم اليه ، وإقدارهم عليه كذلك يحظر الدين عليهم أن ينفروا إلى الحرب والمدافعة عن الملة والبلاد عزلا ، أو حاملي سلاح دون سلاح العدو المعتدي عليهم اتكالا على اللّه تعالى واعتمادا على أن النصر بيده ، بل يأمرهم بأن يعدوا للأعداء ما استطاعوا من قوة