الشيخ محمد رشيد رضا

63

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتسوقه في الجو إلى حيث يتحلل بخاره فيكون مطرا كما تقدم آنفا في آية ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ ) وتصريف الرياح تدبيرها وتوجيهها على حسب الإرادة ووفق الحكمة والنظام ، فهي تهب في الأغلب من احدى الجهات الأربع وتارة تأتي نكباء بين بين ، وقد تكون متناوحة ، أي تهب من كل ناحية ، ومنها العقيم ، ومنها الملقحة للنبات وللسحاب وإذا هبت حارة في بعض الأماكن والأوقات فهي تهب عقب ذلك لطيفة الحرارة أو باردة ، وكل ذلك يجري على سنة حكيمة تدل على وحدة مصدرها ، ورحمة مدبرها « 1 » الجنس السابع قوله تعالى وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي الغيم المذلل المسحوب في الجواء لا نزال المطر في البلاد المختلفة . ذكر السحاب هما بعد ذكر تصريف الرياح لأنها هي التي تثيره وتجمعه وهي التي تسوقه إلى حيث يمطر وتفرق شمله أحيانا فيمتنع المطر ، ولم يذكره عند ذكر الماء مع أنه سببه المباشر ليرشدنا إلى أنه في نفسه آية ، فإنه يتكون بنظام ويعترض بين السماء والأرض بنظام ، فهو في ظاهره آية تدهش الناظر الجاهل بالسبب لو لم يألف ذلك ويأنس به ، وانما يعرفها حق معرفتها من وقف على السنن الإلهية في اجتماع الأجسام اللطيفة وافتراقها ، وعلوها وهبوطها ، وهو ما يعبر عنه علماء هذا الشان بالجاذبية ، وهي أنواع منها جاذبية الثقل والجاذبية العامة وجاذبية الملاصقة وغيرها ، ومن لا يعرف أسرار هذه الكائنات ، وانما ينظر إلى ظواهرها فيراها كما تراها العجماوات ، فهو لا يفهم معنى كونها آيات ، لأنه أهمل آلة الفهم التي امتاز بها وهي العقل ، ولذلك اخبر اللّه تعالى عن هذه الأجناس كلها ان فيها لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * فإنهم هم الذين ينظرون في أسبابها ، ويدركون حكمها وأسرارها ، ويميزون بين منافعها ومضارها ، ويستدلون بما فيها من الاتقان والاحكام ، والسنن التي قام بها النظام ، على قدرة مبدعها وحكمته ، وفضله ورحمته ، وعلى استحقاقه للعبادة دون غيره من بريته ، وبقدر ارتقاء العقل في العلم والعرفان ، يكمل التوحيد في الايمان ، وانما يشرك باللّه أقل الناس عقلا ، وأكثرهم جهلا « 1 » أليس أكبر خذلان للدين وجناية عليه أن لا ينظر المنتسبون اليه في آياته

--> ( 1 ) قد فصلنا الكلام في الهواء والرياح والماء والمطر في ( ص 482 ج 8 ) فراجعه