الشيخ محمد رشيد رضا

61

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد وصف اللّه تعالى هذا الجنس من آياته بأعظم آثاره فقال فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ أي أوجد بسببه الحياة في الأرض الميتة بخلوها من صفات الاحياء كالنمو والتغذي والنتاج ، وبث أي نشر وفرق في ارجائها من جميع أنواع الاحياء التي تدب عليها وهي لا تعد ولا تحصى ، فبالماء حدثت حياة الأرض بالنبات وبه استعدت لظهور أنواع الحيوان فيها . وهل المراد لاحياء الأول وما تلاه من تولد الحيوانات المعبر عنها بكل دابة أو هو ما يشاهد من آحاد الأحياء التي تتولد دائما في جميع بقاع الأرض ؟ الظاهر أن المراد أولا وبالذات الاحياء الأول المشار اليه بقوله تعالى في آية أخرى ( أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) فهو يذكر جعل كل شيء حيا بالماء ، في إثر ذكر انفصال الأرض من السماء ، وذلك ان مجموع السماوات والأرض كان رتقا أي مادة واحدة متصلا بعض أجزائها ببعض على كونه ذرات غازية كالدخان كما قال في آية التكوين ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ) ولما كان ذلك الفتق في الاجرام انفصل جرم الأرض عن جرم الشمس وصارت الأرض قطعة مستقلة مائرة ملتهمة وكانت مادة الماء - وهي ما يسميه علماء التحليل والتركيب ( علم الكيمياء ) بالاكسجين والهدروجين - تتبخر من الأرض بما فيها من الحرارة فتلاقي في الجوبرودة تجعلها ماء فينزل على الأرض كما وصفنا آنفا فيبرد من حرارتها ، وما زال كذلك حتى صارت الأرض كلها ماء وتكونت بعد ذلك اليابسة فيه وخرج النبات والحيوان وكل شيء حي من الماء ، فهذا هو الاحياء الأول وأما الإحياء المستمر المشاهد في كل بقاع الأرض دائما فهو المشار اليه بمثل قوله تعالى ( وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) وذلك اننا نرى كل أرض لا ينزل فيها المطر ولا تجري فيها المياه من الأراضي الممطورة لا في ظاهرها ولا في باطنها خالية من النبات والحيوان إلا أن يدخلها من أرض مجاورة لها ثم يعود منها . فحياة الأحياء في الأرض انما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأول عند تكوين العوالم الحية وايجاد أصول الأنواع ، والإحياء المتجدد في أشخاص هذه الأنواع وجزئياتها التي تتولد وتنمي كل يوم