الشيخ محمد رشيد رضا

53

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وشرط استحقاق اللعن الأبدي الذي يلزمه الخلود في دار الهوان ، وهو ان يموتوا على كفرهم فأولئك تسجل عليهم اللعنة ويخلدون فيها لا تنفعهم معها شفاعة ولا وسيلة . قال بعض المفسرين : ان المراد بالناس هنا المؤمنون كأن غيرهم ليسوا من الناس ، وحجتهم ان حمله على ظاهره وهو العموم لا يصدق على أهل دين أولئك الكفار ومذاهبهم فإنهم لا يلعنونهم قال الأستاذ الامام : وهو احتجاج ضعيف ، فان أهل مذاهبهم إذا كانوا لا يلعنون الاشخاص الذين يعرفونهم منهم ، فهم إذا شرحت لهم أحوالهم في كفرهم وإصرارهم على غيهم ، وإعراضهم عن سعادتهم ، وحال الداعي إلى الحق معهم ، وذكر لهم كيف يشاقونه ويعاندونه ، فهم يلعنونهم أو يرونهم محلا للعنة ومستحقين لأشد العقوبة ، فان المراد ان هؤلاء الكافرين المصرين على كفرهم إلى الموت هم أهل للعنة وموضوع لها من اللّه ومن عالم الملائكة الروحانيين ، ومن الناس أجمعين ، فان الكافر من الناس إذا ذكر له الكفر وأهله وعنادهم واستكبارهم عن الحق لعنهم ، ولكنه قد يخطئ في حمل صفات الكفر على أصحابها . والنكتة في ذكر لعنة الملائكة والناس مع أن لعنة اللّه وحده كافية في خزيهم ونكالهم ، هي بيان أن جميع من يعلم حالهم من العوالم العلوية والسفلية يراهم محلا للعنة اللّه ومقته ، فلا يرجى أن يرأف بهم رائف ، ولا أن يشفع لهم شافع ، لأن اللعنة صبت عليهم باستحقاق عند جميع من يعقل ويعلم . ومن حرمه سوء سعيه من رحمة الرؤف الرحيم فما ذا يرجو من سواه ؟ * * * خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي ماكثين في هذه اللعنة وما تقتضيه من شدة العذاب ، لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها ، ولا هم ينظرون أي يمهلون من ( الانظار ) ليتوبوا ويصلحوا ، أولا ينظر إليهم نظر مغفرة ورحمة ، قالوا إن الخلود في اللعنة عبارة عن الخلود في أثرها وهو النار بقرينة ( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ) ولا أذكر عن الأستاذ الامام في هذا شيئا ، ولكن الكلام يصح على ظاهره وهو أن اللعن بمعنى الطرد فيصح أن يكون الخلود فيه عبارة عن دوامه هو ، أي هم مطرودون من رحمة اللّه تعالى طردا دائما