الشيخ محمد رشيد رضا

51

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ثم إن العبرة في الآية هي أن حكمها عام وان كان سببها خاصا ، فكل من يكتم آيات اللّه وهدايته عن الناس فهو مستحق لهذه اللعنة . ولما كان هذا الوعيد وأشباهه حجة على الذين لبسوا لباس الدين من المسلمين وانتحلوا الرئاسة لأنفسهم بعلمه ، حاولوا التفصي منه ، فقال بعضهم : ان الكتمان لا يتحقق الا إذا سئل العالم عن حكم اللّه تعالى فكتمه ، وأخذوا من هذا التأويل قاعدة هي أن العلماء لا يجب عليهم نشر ما أنزل اللّه تعالى ودعوة الناس اليه وبيانه لهم ، وإنما يجب على العالم أن يجيب إذا سئل عما يعلمه ، وزاد بعضهم إذا لم يكن هناك عالم غيره وإلا كان له أن يحيل على غيره . وهذه القاعدة مسلمة عند أكثر المنتسبين إلى العلم اليوم وقبل اليوم بقرون ، وقد ردها أهل العلم الصحيح فقالوا : ان القرآن الكريم لم يكتف بالوعيد على الكتمان ، بل أمر ببيان هداه للناس ، وبالدعوة إلى الخير والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأوعد من يترك هذه الفريضة وذكر لهم العبر فيما حكاه عن الذين قصروا فيها من قبل كقوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) الخ وقوله ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ - إلى قوله في المتفرقين عن الحق - وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) وقوله ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - إلى قوله في عصيانهم الذي هو سبب لعنتهم - كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ) الخ فأخبر تعالى انه لعن الأمة كلها لتركهم التناهي عن المنكر . نعم ان هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ولكن لا يكفي في كل قطر واحد كما قال بعض الفقهاء ، بل لا بد أن تقوم به أمة من الناس كما قال اللّه تعالى لتكون لهم قوة ولنهيهم وأمرهم تأثير . وسيأتي تفصيل هذا في تفسير ( 3 : 104 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) الخ . ( أقول ) ما ورد من تدافع علماء السلف في الفتوى فإنما هو في الوقائع العملية الاجتهادية التي تعرض للناس ، لا في الدعوة إلى مقاصد الدين الثابتة بالنصوص وسياجها من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وذهب بعض المؤولين مذهبا آخر هو ان هذا الوعيد مخصوص بالكافرين ترك المؤمن فريضة من الفرائض كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستحق