الشيخ محمد رشيد رضا

46

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من ذكرى نشأة الدين الأولى بمكة في عهد إبراهيم وإسماعيل كغيره من شعائر اللّه ، وخلاصته انه لما كان بين إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم وامرأته ( سارة ) ما كان ( من حملها إياه على طرد سريته هاجر مع طفلها إسماعيل وهو مذكور في الفصل 21 من سفر التكوين ) خرج بهما إلى برية فاران ( أي مكة ) فوضعهما في مكان زمزم تحت دوحة ولم يكن هنالك سكان ولا ماء ووضع عندها جرابا فيه تمر - وفي سفر التكوين انه زودها بخبز - وسقاء فيه ماء ثم رجع فقالت له : إلى من تتركنا ؟ قال « إلى اللّه » قالت رضيت باللّه . وهنالك دعا إبراهيم بما حكاه اللّه عنه في سورته ( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ - إلى قوله - يَشْكُرُونَ ) * فلما نفد الماء عطشت وجف لبنها وعطش ولدها فجعل يتلوى وينشغ ( يشهق ) للموت فكانت تذهب فتصعد الصفا تنظر هل ترى أحدا فلم تحس أحدا ، ثم تذهب فتصعد المروة فلم تر أحدا ، ثم ترجع إلى ولدها فتراه ينشغ - فعلت ذلك سبعة أشواط ، وبعد الأخيرة وجدت عنده صوتا فقالت أغث إن كان عندك غواث ، فإذا هي بالملك جبريل عند زمزم فعمز بعقبه الأرض فانبثق الماء فجعلت تشرب ويدر لبنها على صبيها . ومر ناس من جرهم بالوادي فإذا هم بطير عائفة اي تحوم على الماء فاهتدوا اليه وأقاموا عنده ونشأ إسماعيل معهم . قال ابن عباس لما ذكر سعيها بين الصفا والمروة : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « فذلك سعي الناس بينهما » ( الأستاذ الامام ) وصف الباري تعالى بالشاكر لا يظهر على حقيقته فلا بد من حمله على المجاز . فالشكر في اللغة مقابلة النعمة والاحسان ، بالثناء والعرفان ، وشكر الناس لله في اصطلاح الشرع عبارة عن صرف نعمه فيما خلقت لأجله ، وكلاهما لا يظهر بالنسبة إلى اللّه تعالى إذ لا يمكن أن يكون لأحد عنده يد أو يناله من أحد نعمة يشكرها له بهذا المعنى . فالمعنى إذا أن اللّه تعالى قادر على إثابة المحسنين ، وأنه لا يضيع أجر العاملين ، فبهذا المعنى سميت مقابلة العامل بالجزاء الذي يستحقه شكرا ، وسمى اللّه تعالى نفسه شاكرا . وأزيد على قول الأستاذ ان اللّه تعالى وعد الشاكرين لنعمه بالمزيد منها ، فسمي هذا شكرا من باب المشاكلة والنكتة في اختيار هذا التعبير تعليمنا الأدب فقد علمنا سبحانه وتعالى بهذا دبا من أكمل الآداب بما سمى إحسانه وإنعامه على العاملين شكرا لهم مع أن عملهم