الشيخ محمد رشيد رضا

344

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مبني على ما أودع الفطرة السليمة من الحب والاخلاص للاقربين ، وقد طرأ الفساد على هذه الرابطة النسبية في بلاد كثيرة بما أفسدت السياسة في الأمة ، فصار الأخ يطمع في مال أخيه ، ويحفر له من المهاوي ما لعله هو يقع فيه ، وأمثال هؤلاء الذين فسدت طباعهم واعتلت خلائقهم ، لا يوكل إليهم الرجوع إلى الفطرة وتحكيمها في معاملة اليتامى كالاخوة ، لذلك لم يكتف القرآن بذلك حتى وضع للضمير والوجدان ، قاعدة يرجع إليها في هذا الشأن ، فقال وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ أي انه لم يكل أمر مخالطة اليتامى إلى حكم نزعة القرابة وعاطفة الاخوة من قلوبكم الا وهو يعلم ما تضمر هذه القلوب من قصد الاصلاح لهم أو الافساد ، فعليكم ان تراقبوه في أعمالكم ونياتكم ، وتعلموا ان سيحاسبكم على مثقال الذرة مما تعملون لهم . والمصلح هو من يأتي بالاصلاح عملا ، والمفسد هو من يأتي بالافساد فعلا ، وحال كل منهما ظاهرة للعيان ، وانما أيقظ اللّه تعالى القلوب إلى ذكر علمه بذلك لتلاحظ اطلاعه على العمل ، وتتذكر جزاءه عليه فتراقبه فيما خفي منه ، لعلها تأمن من مزالق الشهوة ، وتسلم من مزالّ الشبهة ، فان شهوة الطمع تولد لصاحبها شبهة أكل مال اليتيم ، كما يأكل صاحبها مال أخيه الضعيف ، ولا عاصم من ذلك الا بمراقبة اللّه تعالى وتقواه . والا فإننا نرى أكثر الأوصياء على الأيتام في هذا الزمان يظهرون للملاء إصلاح أحوالهم ، وتثمير أموالهم ، مع العفة والزهادة فيها ، وهم في الباطن يأكلونها أكلا لمّا ، حتى أن واحدهم يصبح غنيا بعد فقر ولا عمل له الا القيام على اليتيم ، والأجرة المفروضة له على الوصاية لا غناء فيها فيكون غنيا بها . وكل من يطلب ان يكون وصيا على يتيم ويسعى لذلك سعيه فهو موضع للظنة ، وقلما يوجد فيهم من يرضى بما يفرض له على عمله ، وسيأتي ما يحل للوصي من مال اليتيم وما يحرم في سورة النساء ان شاء اللّه تعالى ثم بين لنا سبحانه وتعالى منته علينا ورحمته بنا بما أذن لنا من مخالطة اليتامى فقال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ أي أوقعكم في العنت وهو المشقة وما يصعب