الشيخ محمد رشيد رضا

341

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاعمال ، وانتظام الأحوال ، وأعظم قسم في الأمة هو القسم الأول بحكم الضرورة ، بل هو الأمة كلها بالتقريب ، وقد صار بيده زمام جميع أمورها وقوة الحكم فيها ، إذ لا يمكن أن يتيسر لهذا القسم الثاني وهو خلو من العلم بحالها ، ودون كل واحد منها في العقل ، وفوقه في الغباوة والجهل ، أن يقود واحدا منها بله قيادتها كلها ؟ فهل يتفق مثل هذا للخلف ، مع شيء من سنة السلف ؟ ألا عاقل يقول لهؤلاء المشعوذين كيف ساغ في عقولكم أن يسلم إلى الجاهل ، قيادة العاقل ؟ وكيف يتيسر حفظ الدين ، بالعدول عن سنن المرسلين ، ومخالفة سير السلف الصالحين ، ؟ ؟ ثم قال تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى الخ أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال لما نزلت « وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » * و « إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى » الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد ، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ) الآية . ذكره السيوطي في أسباب النزول نعم ان آيات الوصية في اليتامى كئيرة ومنها ما نزل في مكة كقوله تعالى ( 17 : 34 وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * في سورة الإسراء وقوله تعالى ( 93 : 9 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) في سورة الضحى وقوله عز وجل ( 107 : 2 فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) في سورة الماعون ، جعل دعّ اليتيم وهو دفعه وجره بعنف أول آيات التكذيب بالدين . وأجمع ما ورد في ذلك وآكده آيات سورة النساء وهي مدنية كسورة البقرة ، ومنها قوله تعالى ( 4 : 10 إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) ولكن سورتها نزلت بعد سورة البقرة . وقد كان السابقون الأولون من المؤمنين يحفظون حدود اللّه تعالى ويأخذون القرآن بقوة لأنهم لبلاغتهم يفهمون الوعيد في مثل هذه الآية فتحدث لهم من الذكرى والعظة ما لا يجد مثله من لم يؤت بلاغتهم . وليس المراد ببلاغتهم أنهم قرأوا علم المعاني والبيان فحفظوا في أذهانهم عللا كثيرة للتقديم والتأخير في