الشيخ محمد رشيد رضا

335

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وعاش بقية حياته فقيرا معدما حتى مات جائعا وذكر انه ربح في ليلة تسع مائة ألف فرنك فقال لا أبرح حتى أتمها مليونا فلم يبرح حتى خسرها إلى مليون آخر ، وهكذا شأن أكثر المقامرين يغترون بالربح الذي يكون لهم أو لغيرهم أحيانا فيسترسلون في المقامرة حتى لا يبقى لهم شيء ولبيوت القمار في مصر طرق في استدراج الأغنياء لا يعقلها المصريون على ما يرون من آثارها في تخريب بيوت من اصطيدوا بأحابيلها من اخوانهم . ويحكى أن رجلا عاقلا رأى من ولده ميلا إلى المقامرة لمعاشرته بعض أهلها فلما حانت وفاته وخاف أن يضيع ولده ما يرثه عنه . وعلم أن النهي لا يكون الا اغراء ، قال له يا بني أوصيك إذا شئت أن تقامر بأن تبحث عن أقدم مقامر في البلد وتلعب معه ، فطفق الولد بعده يبحث ويسأل وكلما دل على واحد علم منه ان هناك من هو أقدم منه حتى انتهى به البحث إلى شيخ رث الثياب ، ظاهر الاكتئاب ، فعلم من حاله ومقاله أن مآل المقامر إلى أسوأ مآب ، وأن والده قد اجتهد بنصيحته فأصاب ، وأنه أوتي الحكمة وفصل الخطاب ، ورجع هو إلى رشده وأناب ، فلم يدخل بيت المقامرة من طاق ولا باب ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما والسلامة من بلائهما ، لان للخمر تأثيرا في العصب يدعو إلى العود إلى شربها والاكثار منها ، فان ما تحدثه من التنبيه يعقبه خمود وفتور بمقتضى سنة رد الفعل ، فيشعر السكران بعد الصحو أنه مضطر إلى معاودة السكر ، ليزول عنه ما حل به ، فإذا هو عاد قويت الداعية . وأما الميسر فان صاحبه كلما ربح طمع في الزيادة ، وكلما خسر طمع في تعويض الخسارة ، ويضعف الادراك حتى تعز مقاومة هذا الطمع الوهمي . وهذا شر ما في هاتين الجريمتين وجملة القول أن اللّه تعالى قد هدانا لان نعلم مضرات الخمر والميسر ببحثنا لنكون على بصيرة في تحريمهما علينا ، وأننا نرى الأمم التي لا تدين بالاسلام ولم تخاطب من اللّه تعالى بهذه الهداية قد اهتدت إلى ما لم نهتد اليه من تلك المضار ، وأنشأت تؤلف الجمعيات للسعي في ابطال هاتين الجريمتين ، ونحن الذين منحنا تلك