الشيخ محمد رشيد رضا

308

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فقال ان لي دينارا فقا ل « أنفقه على نفسك » قال إن لي دينارين قال « أنفقهما على أهلك » قال إن لي ثلاثة قال « أنفقها على خادمك » قال إن لي أربعة قال « أنفقها على والديك » قال إن لي خمسة قال « أنفقها على قرابتك » قال إن لي ستة قال « أنفقها في سبيل اللّه تعالى » هكذا أورد الحديث بعض المفسرين وهو عند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة بسياق آخر وهو ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « تَصَدَّقُوا » فقال رجل عندي دينار قال « تصدق به على نفسك » قال عندي دينار آخر قال « تصدق به على زوجك » قال عندي دينار آخر قال تصدق به على ولدك » قال عندي دينار آخر قال « تصدق به على خادمك » قال عندي دينار آخر قال « أنت أبصر به » ورواه أبو داود ولكنه قدم الولد على الزوجة . ورواه أيضا الشافعي وابن حبان والحاكم ولم يذكروا أن ذلك كان سبب نزول الآية وقد زعم كثير من المفسرين أن الجواب غير مطابق للسؤال لأنه بيان لمن ينفق عليه لا لما ينفق ، وخرجوها على أسلوب الحكيم ، كأنه قال إنه ينبغي السؤال عمن ينفق عليه لا عن جنس ما ينفق أو نوعه ، وليس ما قالوا بصواب فان جعل السؤال بما خاصا بالسؤال عن الماهية والحقيقة من اصطلاح علماء المنطق لا من أساليب العربية . قال الأستاذ الامام ليس المراد السؤال عن جنس ما ينفق أو نوعه من ذهب أو فضة أو بر أو شعير وإنما السؤال عن كيفية الانفاق وتوجيهه إلى الأحق به ، وذلك مفهوم لكل عربي وليس أسلوب القرآن جاريا على مذهب أرسطو في منطقه وإنما هو بلسان عربي مبين . وسبق القفال إلى بيان ذلك فقال إنه وان كان السؤال واردا بلفظ « ما » إلا أن المقصود السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى اللّه تعالى ، وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو ؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أن المطلوب بالسؤال مصرفه أي شيء هو ؟ حينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال ، ونظيره قوله تعالى قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ) الخ وإنما كان الجواب موافقا لذلك السؤال لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي