الشيخ محمد رشيد رضا

29

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على محمد ( عليهما السّلام ) ووصف الغلام بالزكي لا يدل على أنه أفضل من سائر الغلمان ، فضلا عمن زكى الأنام . وقد قال تعالى في قصة موسى ( ع م ) مع العبد الذي علمه من لدنه علما ( أقتلت نفسا زكية بغير نفس ) الآية فهل يزعمون أن هذا الغلام أفضل من موسى وإبراهيم عليهما السّلام لأنهما لم يوصفا بوصفه ؟ وبعد ذكر التربية العملية بالأسوة الحسنة ذكر أمر التعليم فقال وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ اي الكتاب الإلهي أو الكتابة التي تخرجون بها من ظلمة الأمية والجهل إلى نور العلم والحضارة . ويجوز الجمع بين المعنيين على القول الصحيح باستعمال المشترك في معنييه أو فيما يقتضيه المقام من معانيه . وأما الحكمة فهي العلم المقترن باسرار الاحكام ومنافعها الباعث على العمل . وفسرها بعضهم بالسنة . ( أقول ) وهو غلط فإنها أطلقت على بعض نصوص الكتاب كالعقائد والفضائل والاحكام الايجابية والسلبية بدليل قوله تعالى بعد الوصايا المقرونة بعلل الامر والنهي من سورة الإسراء ( 17 : 39 ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) وفي سورة لقمان ان اللّه آتاه الحكمة وذكر منها وصاياه لابنه المعللة بأسباب النهي ( راجع 31 : 12 - 19 ) فحكمة القرآن أعلى الحكم ، وتليها حكمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها » رواه الشيخان من حديث ابن مسعود ، وفي بعض رواياته « فهو يعمل بها ويعلمها الناس » وفي لفظ من حديث ابن عمر « القرآن » بدل الحكمة وقد تقدم ما قاله الأستاذ الامام في هذه الكلمات في دعاء إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم وجاء هنا بتفصيل في معنى الحكمة لم يذكر هناك فقال ما مثاله : دعا القرآن إلى التوحيد وأمهات الفضائل وبين أصول الاحكام ، ولكنه لم يفصل سيرة الملوك والرؤساء مع السوقة والمرؤسين ، ولم يفصل سيرة الرجل مع أهل بيته في الجزئيات وهو ما يسمونه نظام البيوت - العائلات - ولم يفصل طرق الاحكام القضائية والمدنية والحربية ، وذلك ان هذه الأمور ينبغي أن تؤخذ بالأسوة والعمل بعد معرفة القواعد العامة التي جاءت في الكتاب ، ولذلك كانت