الشيخ محمد رشيد رضا
304
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأعجب من هذا وأغرب أنهم بلغوا من الوقاحة والتهجم أن صاروا يعارضون حملة القرآن ، وأنصار السنة ، وعرفاء الشريعة ، وحجج العقائد ، وحكماء الاحكام ، ويجادلونهم في اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وقد حلوا رابطة الدين ودعوا إلى رابطة أخري يسمونها الوطنية يفرقون بها بين المؤمنين - وما جرأهم على ذلك كله الا جهل العامة وقلة الذين بميزون بين العلماء العاملين والأدعياء الجاهلين ، ولو كان هؤلاء على شيء من الايمان لاستحيوا من اللّه تعالى أن يدعوا هذه الدعاوي التي يكذبهم بها كتابه كما تكذبهم سيرة السابقين الأولين ، لكنهم لاهم لهم الا العامة التي يبتغون عندها الرزق والاستعلاء في الأرض ، وهم في مأمن من فهمها معني الايمان وصفات أهله ، لأنهم يحولون بينها وبين كل من يوجه وجهها إلى كتاب اللّه تعالى الهادي إلى ذلك جعل اللّه تعالى للمؤمنين آيات ووصفهم في كتابه بصفات غيرها المحرفون واستبدلوا بها آيات الغش وصفات المخادعة التي يفتنون بها العامة . أكبر آيات الايمان وأظهرها الاهتداء بكتاب اللّه تعالى والدعوة اليه وايثاره على كل ما يخالفه ، واحتمال البأساء والضراء في سبيل الحق الذي يهدي اليه والخير الذي يحض عليه ، ويدخل في ذلك بذل المال والنفس ، فمن بخل بما آتاه اللّه من مال وقوة على تأييد كلمة اللّه ، فلا وزن لايمانه في كتاب اللّه فيا أيها المسلم المقلد لوالديه ومعاشريه وأقرانه ، الذي يحسب أنه من أهل الجنة لأنه ولد وربي بين المسلمين ، ورضي ببعض ما هم عليه من رسوم الدين ، أو اتكالا على شفاعة الأولين ، اقرأ أو اسمع وتأمل ما عاتب اللّه تعالى به أفضل سلفك الصالحين ، وما ذكره عمن سبقهم من أتباع النبيين ، ويا أيها العلماء بالرسوم والعاكفون على قراءة كتب العلوم ، ليس بأمانيكم ولا أماني الكاتبين فقد وضع كتاب اللّه الميزان للصادقين والمنافقين ، فعليكم أن تتذكروا وتذكروا به اخوانكم المسلمين ، ولا يصدنكم عن آيات اللّه والاهتداء بكتاب اللّه انكم فضلتم الناس بقراءة مطولات الكتب العربية ، وصرف السنين الطوال في فهم الاحكام الفقهية ، والاكتفاء من علم الايمان بمثل السنوسية والنسفية فان ينبوع