الشيخ محمد رشيد رضا

247

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وذلك ان روح المتكلم تتجلي في قوله ، وضميره المكنون يظهر في لحنه ( 47 : 30 وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ 31 وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ) وفي الحكم : كل كلام يبرز وعليه كسوة من القلب الذي عنه صدر ، ولهذا كان إرشاد المخلصين نافعا ، وخداع المنافقين صادعا وعلى هذا الوجه في التفسير تكون جملة ( وَيُشْهِدُ اللَّهَ ) وصفا مستقلا غير حال مما قبله ، أي انه لا يحسن إلا الكلام في الدنيا ليعجب السامع ويخدعه ، ولكنه يزعم أن قلبه مع اللّه ، وانه حسن السريرة ، وانك لترى هذا في سيرة المجرمين ظاهرا جليا كما وصف اللّه تعالى : يتركون الصلاة ، ويمنعون الزكاة ، ويشربون الخمور ، ويتسابقون إلى الفجور ، ويأكلون أموال الناس بالباطل ، ثم يفضلون أنفسهم في الدين على أهل النزاهة والتقوى ، زاعمين ان هؤلاء المتقين قد عمرت ظواهرهم بالعمل والارشاد ، ولكن بواطنهم خربة بسوء الاعتقاد ، ويقولون نعم اننا نحن نأكل الربا أو القمار ولكنا نحرمه ، ونأتي في نادينا وخلوتنا المنكر ولكنا لا نستحسنه ، وان ما نبتزه من جيوب الأغنياء بخلابتنا ليس المقصود به ترفيه معيشتنا ، وإنما هو أجر على السعي في إعلاء شأنهم ، ومكافأة على خدمة أوطانهم - فهم بهذه الدعاوي ألد الخصماء ، ألا اتهم هم السفهاء ، فقد جرت سنة اللّه تعالى في خلقه ، ودلت هدايته في كتابه ، على أن سلامة الاعتقاد وإخلاص السريرة هما ينبوع الأعمال الصالحة ، والأقوال النافعة ( 7 : 58 وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) * * * وانظر ما قاله عز شأنه في وصف فريق هذه الدعاوي العريضة ، والقلوب المريضة ، قال وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها في تفسير التولي هنا قولان ( أحدهما ) ان صاحب الدعوى القولية إذا أعرض عن مخاطبه وذهب إلى شأنه فان سعيه يكون على ضد ما قال - يدعي الصلاح والاصلاح وحب الخير ، ثم هو يسعى في الأرض بالفساد ، ذلك أنه لاهم له إلا في الشهوات واللذات والحظوظ الخسيسة ، فهو يعادي لأجلها أهل الحق والفضيلة ويؤذيهم ، لأنه ألد خصم لهم