الشيخ محمد رشيد رضا

22

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحرام وتأكيده فقال وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها وقرأ ابن عامر ( مولاها ) أي لكل أمة من الأمم وجهة توليها في صلاتها فلم تكن جهة من الجهات قبلة في كل ملة بحيث تعد ركنا ثابتا في الدين المطلق كتوحيد اللّه تعالى والايمان بالبعث والجزاء . فإبراهيم وإسماعيل كان يوليان الكعبة ، وكان بنو إسرائيل يستقبلون صخرة بيت المقدس ، وترك النصارى ذلك إلى استقبال المشرق ، وكان الأنبياء المتقدمون يستقبلون جهات أخرى ، فإذا كان الامر كذلك ولم تكن جهة معينة ركنا ثابتا في الأديان ، فأي شبهة من العقل أو من تقاليد الملل على فتنة المشاغبين في أمر القبلة ؟ وأي وجه لما أظهروه من الشبهة والحيرة ، وزجوا أنفسهم فيه من الغمة ، حتى جعلوه مسوغا للطعن في النبوة والتشريع ؟ وسيأتي إيضاح لهذه الحجة في تفسير قوله تعالى ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) الخ وإذا لم تكن مسألة القبلة المعينة من أصول الدين ولا من مخه وجوهره الذي لا يتغير ، بل كانت ولا تزال من الفروع التي تختلف باختلاف حال الأمم فالواجب فيها الاتباع المحض ، والتسليم لأمر الوحي ، وان لم تظهر حكمة التخصيص للناس كما هو الشأن في أمثالها من الفروع المأخوذة بالتسليم كعدد الركعات وكون الركوع مرة والسجود مرتين في كل ركعة فكيف وقد ظهرت ؟ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي ابتدروا كل نوع من أنواع الخير بالعمل وليحرص كل منكم على سبق غيره اليه باتباع الامام المرشد لا باتباع الهوى . وهذا الامر عام موجه إلى أمة الدعوة لا خاص بالمؤمنين المستجيبين للّه والرسول أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ذكر الجزاء يوم البعث بعد الامر باستباق الخيرات ليفيد ان الجزاء انما يكون على فعل الخيرات أو تركها ، لا على الكون في بلد كذا أو جهة كذا ، أي ففي أي جهة وأي مكان تقيمون فاللّه تعالى يأتي بكم ويجمعكم ليوم الحساب ، إذ البلاد والجهات لا شان لها في أمر الدين لذاتها وإنما الشان لعمل البر واستباق الخيرات إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فلا يعجزه الاتيان بالناس مهما بعدت بينهم المسافات ، وتناءت بهم الديار والجهات ، فالتصريح بالقدرة تذكير بالدليل على الدعوى ، والامر بالخيرات هنا بعد بيان اختلاف الملل في القبلة